طوال القرن العشرين، ظلّت Dora Maar، المصوّرة الفوتوغرافية والرسّامة والشاعرة الفرنسية، شخصيّة هامشيّة ارتبط اسمها بعملاق فن الرسم الحديث بيكاسو، أكثر من ارتباطه بأعمالها الفنية. وحُصرت في قالب "الملهمة"، فيما بقي إرثها محجوبًا خلف ظلّ بيكاسو. لكن مع تغيّر المفاهيم، بدأت دورا مار (1907–1997) تستعيد مكانتها التي تستحقّها وتعود إلى دائرة الضوء التي غابت عنها طويلًا.
كانت مار فنّانة غزيرة الإنتاج ومتفرّدة في مسارها، بدأت كمصوّرة تجارية وفي مجال الأزياء، قبل أن تصبح من أبرز وجوه الحركة السريالية. واليوم، تعترف مؤسسة "لويفي- Loewe" بأهميّتها، من خلال تنظيم معرض في متحف لازارو غالدِيانو في مدريد، تحت عنوان "دورا مار: التصوير والرسم". يضمّ المعرض صورها الفوتوغرافيّة التي التقطتها في شوارع إسبانيا، إلى جانب أرشيف غير معروض سابقًا من الرّسومات على الورق.
رسومات مار المنفّذة بقلم الرصاص والحبر الهندي، تبدو في ظاهرها بسيطة أو انطباعية، لكنّها لا تلبث أن تنزلق نحو تجريدات تكعيبية، في إشارات مبكّرة إلى توجّهها السريالي لاحقًا.
وقبل لقاء بيكاسو عام 1935 وتحوّلها إلى ملهمته، كانت مار قد حقّقت لنفسها مكانة قوية كفنّانة طليعية. في المعرض، يمكننا رؤية بيكاسو من منظورها الخاص، بما في ذلك سلسلة فوتوغرافية توثّق تطوّر لوحة غرنيكا (1937)، وهي جدارية لبيكاسو استوحاها من قصف غرنيكا، حيث سجّلت مار عبر 35 يومًا، ردّ فعل الفنان العاطفي على قصف المدينة الباسكية.
ويأخذنا المعرض أيضًا إلى برشلونة، حيث سافرت مار عام 1935 لتوثيق الأجواء المشحونة قبيل اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية. في صورها، تتجلّى الحياة اليومية بأوجهها المتعددة: صيادون ونسّاجو سلال يتناقضون مع مشاهد لمجتمعات مهمّشة، تشمل عاملات الجنس وكبار السنّ الفقراء. وفي زمن غابت فيه أصوات هؤلاء، جاءت عدسة مار لتكشف ما هو مخفي، محاوِلةً كشف عمق الواقع خلف السطح.
هذا المعرض هو تكريم مستحق لالتزام دورا مار بكشف المجهول والمهمّش، واحتفاء متأخر لكنه ضروري بإحدى أهم الفنانات في القرن العشرين.