ريتا عازار

الفنان المجهول الذي رسم العالم بظلال الغموض

هل يكشف بانكسي عن نفسه في نيسان المقبل؟

6 دقائق للقراءة

منذ ظهوره في تسعينات القرن الماضي، استطاع بانكسي (Banksy) أن يكون واحداً من أكثر الفنانين إثارة للجدل في العالم. ليس فقط بسبب أعماله الجريئة التي تحمل رسائل سياسية واجتماعية عميقة، ولكن أيضاً بسبب هويته المجهولة التي زادت من سحره وتأثيره.


يواجه بانكسي في الوقت الراهن معركة قانونية ضد شركة البطاقات البريدية "فول كولور بلاك"، التي تحاول الاستحواذ على علامته التجارية، مدّعية أنه لم يستخدمها. هذه القضية أثارت اهتمام الأوساط الفنية والقانونية على حد سواء، كونها تطرح تساؤلات حول حقوق الملكية الفكرية للفنانين الذين يرفضون الامتثال لقوانين السوق التقليدية. 



من هو؟

بانكسي فنان غرافيتي من الطراز الأول، بريطاني الجنسية، لم يتمكّن أحد من تأكيد هويته الحقيقية. بدأ مسيرته في مدينة بريستول بإنكلترا، حيث استخدم تقنية الطباعة بالاستنسل لتنفيذ رسوماته بسرعة ودقة. هذه التقنيّة لم تكن فقط وسيلة إبداعية، بل كانت أيضاً استراتيجية لحمايته من القبض عليه أثناء تنفيذ أعماله في الأماكن العامة. السرّية المحيطة به جعلت من شخصيته مثار تكهّنات. إذ يعتقد البعض أنه شخص واحد، بينما يرى آخرون أنه فريق من الفنانين يعملون تحت اسم مستعار. وقد طُرحت أسماء متعدّدة كهويّة محتملة له، ومن أشهر الأسماء التي ترددت اسم روبن غانينغهام، إنما لم يتم تأكيد أي منها بشكل رسمي.


أسلوبه ومواضيعه

تمتاز أعمال بانكسي بالسخرية اللاذعة والنقد الاجتماعي العميق. من أبرز المواضيع التي يعالجها مناهضة الحروب، كما في جدارية "رامي الزهور" التي تصوّر متظاهراً يلقي باقة زهور بدلاً من قنبلة. كما ينتقد السُّلطة وهذا يظهر في أعمال كجداريّة قرد بلافتة كُتب عليها "اضحك الآن، ولكن يوماً ما سأكون أنا المسؤول". بانكسي ساخر من المجتمع الاستهلاكي، حيث ينتقد الهيمنة الرأسمالية على الفن والحياة اليومية.



معركته القانونية 

في نيسان المقبل، من المتوقع أن يواجه بانكسي تحدياً قانونياً كبيراً أمام "مكتب الملكية الفكرية" في المملكة المتحدة. القضية تتعلق بشركة "فول كولور بلاك"، التي تبيع بطاقات بريدية تحمل صوراً لأعمال بانكسي، وتطالب بإلغاء علامته التجارية بحجة بأنه لا يستخدمها. ردّ بانكسي على هذه الادعاءات ببيان نادر، قال فيه: "شركة بطاقات بريدية تطعن في العلامة التجارية التي أملكها على أعمالي الفنية، وتحاول الاستيلاء على اسمي حتى تتمكن من بيع منتجات مزيّفة تحمل توقيعي بشكل قانوني". هذه القضية قد تدفعه إلى الظهور بشكل رسمي للدفاع عن حقوقه، وهو ما قد يكون أول ظهور علنيّ له في محكمة. ووفقاً لبعض المصادر، فإن أحد موظفي شركته "Pest Control" سيحاول إثبات أنّ بانكسي استخدم علامته التجارية من خلال بيع منتجات مثل ساعات، أكواب، قمصان، وحقائب يد، عبر متجره الإلكتروني. هذه المعركة القانونية تفتح نقاشاً أوسع حول الملكيّة الفكريّة في عالم الفن، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بفنانين مجهولي الهوية. هل يمكن لفنّان أن يحتفظ بحقّه في أعماله من دون الكشف عن نفسه؟ وهل القوانين الحالية قادرة على حماية إبداع الفنانين غير التقليديين؟



هويّة سريّة

رغم شهرته العالمية، نجح بانكسي في الحفاظ على هويته مجهولة بفضل عدة استراتيجيات، منها العمل ليلاً. إذ غالباً ما ينفّذ أعماله في أوقات متأخرة لتجنب لفت الانتباه. كما انه يستخدم وسطاء فلا يتواصل مباشرة مع الإعلام أو المشترين، بل يعتمد على فريق "Pest Control". تجنّب الظهور في أي حدث رسمي مرتبط بأعماله، ويتعمّد التشتيت والتضليل. وهكذا تتعدّد الشائعات حول هويته، ما يزيد الغموض حوله.



تأثيره على الفن الحديث

يُعد بانكسي أحد أكثر الفنانين تأثيراً في الفن الحديث، إذ استطاع أن يُحدث تحوُّلاً جذرياً في نظرة العالم إلى فن الغرافيتي، من مجرّد رسومات جدارية عابرة إلى أعمال فنّية ذات قيمة اجتماعية واقتصادية هائلة. بفضل تقنياته المبتكرة ورسائله القوية، أصبح هذا الفن وسيلة للتعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية بدلاً من كونه مجرد زينة حضرية. إذ يعتمد أسلوب بانكسي على استخدام الطباعة بالاستنسل، كما سبق وذكرنا، وهي تقنية تمنحه القدرة على تنفيذ أعماله بسرعة ودقة، ما يساعده على تجنُّب كشف هويته أثناء الرسم في الأماكن العامة. إضافةً إلى ذلك، يستخدم الألوان القاتمة مع لمسات من الأحمر أو الأصفر لإبراز الرمزية في أعماله، حيث تتحول لوحاته إلى قصص بصريّة تحمل نقداً اجتماعياً لاذعاً.



ردود أفعال متباينة

رغم انتقاده الدائم لتجاريّة الفن، تُباع أعمال بانكسي بملايين الدولارات في المزادات. عام 2021، بيعت لوحة "الحبّ في سلّة المهملات" مقابل 18.6 مليون جنيه إسترليني (25.4 مليون دولار في ذلك الوقت)، محطّمة الأرقام القياسية. أما في ما يخصّ قضيته القانونية ضد شركة البطاقات البريدية، فقد أثارت ردود أفعال متباينة في الأوساط الفنية. البعض يرى أنّ بانكسي، الذي طالما انتقد الاستغلال التجاريّ للفن، يجد نفسه اليوم مضطراً للدفاع عن حقوقه الفكريّة الأساليب نفسها التي كان يسخر منها. بينما يرى آخرون أنّ القضيّة تسلّط الضوء على التحدّيات التي تواجه الفنانين المجهولين في الحفاظ على حقوقهم، إذ إنّ عدم الكشف عن هويته جعله عرضة للاستغلال التجاري. سواء أكان بانكسي منتصراً أم لا، فإن هذه المعركة القانونية قد تؤدي إلى تغييرات جوهرية في قوانين حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالفن العمومي. بانكسي ليس مجرد رسّام غرافيتي، بل هو ظاهرة عالمية غيّرت مفهوم الفن المعاصر. أعماله ليست مجرّد رسومات، بل احتجاجات بصرية تُحدث صدمة، وتثير التساؤلات، وتعيد تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع. سواء كنت من معجبيه أو من منتقديه، لا يمكن إنكار أنّ لبانكسي بصمته العميقة في عالم الفن الحديث، وعشاق فنّه ينتظرون نيسان المقبل بلهفة، علّهم يتعرفون إليه، والأهم بالنسبة إليهم أن يتمكّن من إثبات حقوق ملكيته الفكرية.



أبرز أعمال بانكسي

- فتاة مع البالون: واحدة من أشهر لوحاته. تصوّر فتاة تحاول الإمساك بِكُرة على شكل قلب، وهو رمز للأمل. ازدادت شهرتها عندما قامت بتمزيق نفسها جزئياً أثناء مزاد علني في العام 2018، في خطوة أثارت الدهشة وبدّلت من اسم اللوحة إلى "الحبّ في سلّة المهملات".

- رجال الشرطة بوجوه مبتسمة: هي جداريّة تصوّر رجال شرطة مكافحة الشغب بوجوه صفراء مبتسمة، في سخرية واضحة من ازدواجية السلطة.

- قرد بلافتة "إضحك الآن": تُعدّ رسالة قوية حول التغيّرات الاجتماعية المتوقّعة، حيث يسخر من الوضع الحالي ويطرح تساؤلات حول المستقبل.