زيزي إسطفان

أعداد المتسوّلين تفوق أعداد المتسوّقين والخدمات زفت

حين هوى شارع الحمرا

13 تشرين الثاني 2020

02 : 00

ثرثرة على الرصيف (تصوير فضل عيتاني)
من يمرّ في شارع الحمرا في بيروت يشعر بغصة في صدره وتتخبط فيه مشاعر الحزن والغضب، الحزن على ما آلت إليه حال شارع كان قلب بيروت النابض بالحياة، والغضب على من امتصوا دماء المدينة وتركوا قلبها يجفّ متأرجحاً بين الحياة والموت. الشارع الذي كان يرقص على وقع زحمة الناس نهاراً وجنونهم ليلاً ينازع بعدما تضافرت عليه أربع أزمات عاتية: الأزمة الاقتصادية، ثورة 17 تشرين، جائحة كورونا وانفجارالمرفأ. فهل يهوي شارع الحمرا نحو جهنم الحمرا أم يجد من يردّ إليه جذوة الحياة؟





سنة ونيّف كانت كافية ليتغيّر شارع الحمرا، ويصبح ظلاً باهتاً لما كان عليه. هجرته ضحكة الأيام الماضية، سكنته وجوه كالحة وافترشت أرصفته أجساد يائسة. تجاره، روّاده، مثقّفوه، مقاهيه، مطاعمه ومؤسساته لبست ثوب الرحيل والهم والفقر.. وجد نفسه في عين العاصفة التي ضربت لبنان فخلّفت فيه اسوأ ضرباتها. مقاهي العز أقفلت أبوابها وافترشت النفايات أرضها، متاجر غابت اسماؤها وأسدلت ستائر واجهاتها، مصارف اتشحت بالحديد وجدران اكتست بكتابات تداخلت أحرفها بين المطالب والشتائم.

غابت عجقة السير المعهودة عن وسط الشارع وغابت معها الزمامير الغاضبة وانسحب دفق الحياة عن الأرصفة، المتسولون تضاعفت اعدادهم عشرات المرات إحتلوا الأمكنة وباتوا أكثر من المتسوقين: تغيّرت اجواء الحمرا وحلّ واقع جديد لا ينكره "اولادها" وقد رأوه قادماً.


عابر في الزمن الكوروني


أصحاب المحلات التجارية يئنون وينوؤون تحت أعباء مادية ما عادوا قادرين على تحملها. علي زرقوط صاحب محل تجاري ضمن سلسلة منتشرة في المناطق يقولها صراحة: "وضع الحمرا زفت" لا سياحة، لا أموال، لا قدرة شرائية عند الناس وأتت الثورة وبعدها كورونا لتتوّجا هذا الخليط القاتل. لقد خف البيع بنسبة تتخطى 90% "وقد تمر نهارات لا نستفتح بها". شخصياً كان رقم اعمالي يومياً ما بين 5 الى 7 ملايين، اليوم تراجع الى حوالى 300,000 ليرة. التظاهرات التي كانت أقرب الى المصرف المركزي وتزامنت مع بدء ارتفاع سعر الدولار وأزمة المصارف ظهرت انعكاساتها تباعاً: اختفى العرب، الخليجيون، الكويتيون والمصريون، غابوا عن الفنادق والشقق المفروشة، لم يتبق منهم ومن السياح الأجانب إلا نسبة قليلة بعد ان كانوا عماد الحركة في السوق، يشترون، يسهرون وينفقون الأموال. كذلك كان لإقفال المطاعم والمقاهي والعلامات التجارية الكبرى انعكاس سلبي على الشارع ككل، برحيلها ماتت الحمرا ومتفرعاتها. حتى السوريون الذين كانوا قد افتتحوا العديد من محلات بيع المكسرات والفاكهة المجففة التي يشتهرون بها اقفلوا محلاتهم بعدما بات إيجارها فوق طاقتهم، وارتفاع اسعار مكسراتها فوق قدرة الزبون اللبناني.

صمود المؤسسين

أيمن البسام أمين سر جمعية تجار الحمرا سابقاً وصاحب واحد من أقدم محلات السوق وأعرقها يشرِّح الوضع بدءاً من العام 2015 حيث بدأت الحركة التجارية تتراجع من 10 الى 20%، ليصل التراجع الى 50% عام 2019 ويصل الى نسبة مخيفة عام 2020 بلغت 90%. مردّ هذا التراجع المبكر برأيه يعود الى وجود فائض من التجار في الحمرا لا تستوعب أعدادهم السوق ولا سيما مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وقد فرزت الأوضاع التجار، فمن يدفع إيجارات جديدة مرتفعة لم يستطع أن يصمد عند تفشي الأزمة الاقتصادية ولم يعد ربحه يغطي تكاليفه، ما أدّى الى إقفال بين 50 و 60% من المؤسسات التجارية ذات الإيجارات الجديدة، ولا سيما بين المحلات الفخمة والماركات العالمية مثل H&M, American Eagle,Mother Care وغيرها.


تنزيلات



أما اصحاب الإيجارات القديمة مؤسسو الشارع فما زالوا قادرين على الصمود، بحسب البسام، لكنه يتساءل بحرقة ماذا سيحل بالتجار حين يعتمد قانون الإيجارات الجديد وتحرر هذه الأخيرة؟ حتماً ستكون كارثة جديدة تضاف الى كوارث شارع الحمرا، فوق ما يعانيه اليوم من تراجع في كل انواع الخدمات، فلا النفايات المتكدسة تزال من الشوارع ولا الروائح الكريهة المنبعثة من المجارير تعالج، ولا المتسولون الذين يحتلون الأرصفة يوضع حل لهم، والأقسى من ذلك كله عودة أبواب الحديد التي عرفها الشارع في عز اتون الحرب الأهلية الى واجهات المصارف وأبواب المحلات، لتذكّر بتلك الحقبة السوداء وتعيد الحمرا عقوداً الى الوراء.


علي زرقوط



البسام اليوم يبيع بضائعه بـ "الرسمال" وقديمها بربع رأسماله حتى يتمكن من الصمود ومع ذلك البيع خفيف جداً يكاد لا يغطي التكاليف. وهذه ليست حال التجار فقط في الحمرا بل مثلها حال المطاعم والمقاهي التي اقفل عدد كبير منها:...Roadster, Deek duke,Crepaway, Moka. بعضها صمد وما زال يجاهد للاستمرار، كافيه حمرا نجمة الشارع الذي منه استمدت اسمها فتحت من جديد بعد الجائحة لتستقبل روادها وتكون متنفساً لهم. لكن الحال لم تعد على ما كانت عليه سابقاً، تراجع العمل الى حدود 70% وأكثر بعد ان "خفّت الإجر" في الشارع وفرغت الاسواق. التظاهرات أثّرت على المقهى وكثرة الإقفال ودواماته إثر كورونا بلبلت الزبائن وألغت خدمة العشاء. اليوم رواد المقهى يكتفون بفنجان قهوة او نفس أركيلة أما طلبات الطعام فقد تراجعت كثيراً، وموظفو الشركات الذين كانوا يقصدون المطاعم لتناول الغداء ما عاد راتبهم يكفي لهذا اللوكس. والصورة ذاتها تنطبق على كل المقاهي والمطاعم وإن بدا للناظر من بعيد ان الزبائن لم يهجروها وبخاصة ما تبقى من مقاهي الأرصفة او بعض مقاهي الأسواق الجانبية. يقول احدهم: هي عجقة خدّاعة، فشة خلق للناس لكن ربحها محدود جداً لا يسمن ولا يغني من جوع.


ناس بلا وجوه



قصة الصعود الى الهاوية

السيد رشيد بواري وكيل سنتر سارولا أحد اهم السنترات في شارع الحمرا، الذي يضم مسرح المدينة وعشرات المكاتب والمحال التجارية والمقاهي رافق صعود الحمرا بعد نهاية الحرب وعودتها الى الحياة هو اليوم يعايش نزولها الى الهاوية. يروي انه في العام 1999 كانت المحلات تقفل أبوابها المحمية بالحديد عند الساعة الرابعة ويفرغ الشارع، وحدها بضعة مطاعم يتيمة كانت ترجو اصحاب صالات السينما عرض فيلم مسائي عله يجتذب بعض الزبائن الى مطاعمهم. ثم بدأت الحمرا تستعيد جذوة الحياة شيئاً فشيئاً وشكل انتقال مسرح المدينة الى سنتر سارولا نقلة نوعية في الحياة الليلية في الشارع والتي تطورت في ما بعد نتيجة وجوده بشكل جميل جداً. استردت الحمرا دورها الثقافي والتجاري وعادت مزيجاً من الأديان والثقافات والأعمار تعج مقاهيها بالناس وحاناتها بالرواد، لا سيما بعد أن خبا وهج وسط بيروت إثر ما عاشه من مشاكل.

منذ ما قبل الحراك بدأ التراجع، فالشارع الذي يعتبر ميزاناً للحياة الاجتماعية والاقتصادية في لبنان والمؤشر الأساسي للحياة الطبيعية فيه بدأ يعاني وتسوده حالة من الإحباط، لا سيما وان كلفة تشغيل المحلات وإيجاراتها فيه اغلى من مناطق اخرى، وحين يخف الشغل فوراً "ينضرب" التاجر او صاحب الحانة والمطعم ولا يعود قادراً على الاستمرار. الأزمة الاقتصادية اثرت على الحركة التجارية كما على الحركة الثقافية وبات "مسرح المدينة" يعاني وقد تراكمت عليه مستحقات كثيرة، وصار بحاجة الى دعم ليستعيد دوره ولتعود الثقافة سداً في وجه القبح الذي نراه في كل مكان. فهو مفتاح صعود الحمرا بانتعاشه تستعيد انتعاشها ومتى استعاد رواده تشتغل المطاعم والحياة الليلية من جديد.

مؤسف، حزين، مهمل ومتروك شارع الحمرا اليوم، بحسب نائب رئيس لجنة تجاره الحاج محمد الحركة، لكن وضعه ليس ميؤوساً منه، ومن بنوه منذ الخمسينات لا يزالون صامدين فيه ومستعدين لإعادة عجلة الحياة إليه من جديد. فعسى أن يرفعه إصرارهم من الهاوية في ظل غيبوبة المسؤولين.


بول شاوول



بول شاوول شاهد على احتضار الحمرا

هو أحد رموز شارع الحمرا ووجه من وجوهه المضيئة ساكنه منذ أربعين عاماً وتلاقت روحه مع روح الشارع ونبضه حتى صار يعرف كل حجر من حجارته. نسأله عن واقع الحمرا اليوم فيجيب بحزم: لم يعد هناك شيء اسمه شارع الحمرا... باتت الحمرا ضاحية من الضواحي «المريّفة» لمدينة لم تعد موجودة وصارت بدورها ريفاً... المحلات، المقاهي المطاعم تغلق بالعشرات، على الرصيف 25 محلاً من اصل ثلاثين أقفلت وهو امر يراه المار بأم العين. لم تعد الحمرا استثناءً صارت كأي منطقة ثانية غاب عنها التنوع الخارجي، لا أجانب، لا عرب، لا اقتصاديون ولا مثقفون ولا ناس في شوارعها. هي اليوم تتلقى الضربة القاضية بعد مسار طويل من الاحتضار، حتى خلال الحرب لم تكن كذلك، تخيم عليها اليوم حالة من الخوف، الناس في المقاهي باتت تخشى الكلام خوفاً من تهديد غير مرئي مثل الأنظمة الديكتاتورية، الأجانب العرب يخشون المجيء بعدما تقطعت اوصال لبنان وفقد نتيجة سياسات ميليشيوية معروفة صلاته مع الخارج.


ثلاثي بلا كمامات



بول شاوول الذي تآلف مع حجارة الرصيف وكرسي المقهى يفتقد اليوم هذه الحميمية، يفتقد المكتبات التي لم يتبق منها إلا اثنتان، يفتقد الأمسيات الثقافية والفنية والمحاضرات والحياة الليلية التي غابت. ويفتقد التنوع الذي لم يبق منه إلا اشلاء. يقول ان الحمرا انضربت أكثر من اي مكان آخر بعد « كنتنة» لبنان أي بعد ان تحولت المناطق الى كانتونات لزعماء الطوائف، وبات رواد الحمرا الذين كانوا يأتونها من كل لبنان يعيشون في جو كانتوني ضيق، ما أرخى بظلاله عليها وجعل مقاهيها مكاناً غير آمن للنقاش والحوار وإبداء الآراء السياسية المختلفة. وبعد أن كان لها دور جامع وسياسي مميز فقدته اليوم كما فقدت كل ادوارها.

يعرف شاوول ان الثورة ليست السبب في ما آلت إليه أوضاع الحمرا مهما حاول المسؤولون إلقاء اللوم على الحراك في تأزم الأوضاع الاقتصادية، ويعرف ان الميليشيات والسماسرة هم من أوصلوا البلد الى هذه الحال وغيّبوا عنها الثقافة والتواصل مع الخارج، وينهي كلامه قائلاً: عمر الميليشيات قصير مهما طال.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.