في تاريخ الشعوب، هناك لحظات لا تُمحى. لا لأنها غيّرت الواقع فورًا، بل لأنها كسرت الصمت. في لبنان، كان يوم 20 أيلول 2000 من هذه اللحظات: يوم خرج نداء المطارنة الموارنة من بكركي ليعلن، بوضوح نادر في ذلك الزمن، أن الدولة لم تعد موجودة، وأن الوصاية أصبحت مهينة، وأن السلاح المتفلت يهدد الكيان أكثر مما يحميه.
ذاك النداء، الذي جاء بعد أربعة أشهر على انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، شكّل أول تحدّ حقيقي للاحتلال السوري الذي كان يطوّق المؤسسات، ويخنق الحياة السياسية، ويصادر القرار الوطني. في زمن كانت فيه الأجهزة ترصد الأنفاس، جاء البيان ليقول ما كان يقوله اللبنانيون سرًا: إن لبنان لا يحكم نفسه، وإن الدولة غائبة، وإن السلاح الخارج عن الشرعية خطر لا يقل عن الاحتلال.
لم يكن البيان محصورًا بلغة روحية أو مطالب كنسية. كان بيانًا وطنيًا سياديًا بامتياز. تحدّث عن التلاعب بالانتخابات، وعن القمع، وعن الإذلال، وعن انهيار الاقتصاد، وعن تحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات بيد قوة خارجية. لكنه، في جوهره، كان يطرح سؤالًا جوهريًا: ألم يحن الوقت لتبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها؟
ذلك السؤال، منذ العام 2000، لا يزال بلا جواب. بل لعلّ ما كان يومها هيمنة سورية بات اليوم، منذ 2005، هيمنة إيرانية من خلال ميليشيا "حزب الله". المشهد تبدّل في الشكل فقط: فحيث كان جيش أجنبي، باتت ميليشيا محلية تدين بالولاء لمشروع خارجي. وحيث كانت المخابرات السورية، أصبحت أجهزة "الحزب". النتيجة واحدة: غياب السيادة، فوضى السلاح، وتغييب اتفاق الطائف.
اليوم، بعد كل ما جرى، يعود المشهد ليُشبه عام 2000، ولكن بزخم ربما لم يكن ليُتخيل حينها حتى في أكثر لحظات الأمل تفاؤلًا. فكما انسحبت إسرائيل آنذاك، وكما سقط الاحتلال السوري لاحقًا، نحن الآن أمام متغيّرات إقليمية كبرى: ضربات موجعة للمشروع النووي الإيراني، تفكيك جزء كبير من قدرات "حزب الله" العسكرية، وانهيار النظام السوري، يقابلها عودة جادة للحديث العربي والدولي عن حل شامل، لا مكان فيه للسلاح غير الشرعي.
لكن، مرة أخرى، الدولة اللبنانية تقف عند مفترق سيادي دقيق. فهل تكرر العجز والتردّد؟ أم تلتقط لحظة الثلاثاء، وتحوّل الجلسة الحكومية المنتظرة إلى محطة تاريخية تُعيد الاعتبار للدستور، ولمفهوم الدولة الواحدة، والجيش الواحد، والقرار الواحد؟
هل يبقى نداء بكركي لعام 2000 مجرّد ذكرى شجاعة في زمن الخوف، أم يصبح مصدر إلهام حيّ يُترجم في المؤسسات، ويُستكمل في مجلس الوزراء ما بدأه المطارنة بالأمس؟