نبيل يوسف

ألم يكن في المرفأ موظف أو جندي كيوسف نجم وإميل الشمالي؟

5 دقائق للقراءة
في الذكرى الخامسة لتفجير مرفأ بيروت

صيف 1968 ارتفع صوت رئيس حزب "الكتائب اللبنانية" الشيخ بيار الجميل، منبهًا مما يجري في منطقة العرقوب، حيث تتسلّلت قوافل من المسلحين الفلسطينيين من سوريا إلى لبنان عبر طرقات جبلية وعرة سيرًا على الأقدام مع بغال محملة بالأسلحة والذخائر، عبر منطقة راشيا وصولًا إلى الجنوب، متخطين المعابر الحدودية الشرعية. فاجأ كلام الشيخ بيار يومها الجميع، إذ قبل ذاك التصريح، لم يسمع أحد بتلك المعابر الجبلية التي يستعملها الفلسطينيون لنقل مقاتليهم وأسلحتهم إلى جنوب لبنان.


كيف عرف الجميل بذلك؟ قلة قليلة تعرف أن رقيبًا في قوى الأمن الداخلي يدعى يوسف نجم من بلدة إده البترونية كان يخدم وقتها في منطقة راشيا هو من أخبر القيادة الكتائبية.


مما رواه يوسف نجم لاحقًا أنه نُقل وقتها حديثًا إلى منطقة راشيا، وفيما كان يقوم بدورية ومعه أحد العسكريين (كان له فترة طويلة في راشيا)، شاهدا قافلة من البغال تتقدم من بعيد، فسأل رفيقه عنها معتقدًا أنهم مهربون.


ردّ الدركي: هم من مسلحي "منظمة التحرير الفلسطينية" ينقلون أسلحة وذخائر من سوريا إلى الجنوب، ولا يمكن أن نواجههم "إنسَ أمرهم".


لم يسكت الرقيب أول يوسف نجم وفور حصوله على إجازة، التقى نائب البترون الدكتور جورج سعاده وأخبره بمعلوماته. صدمت المعلومات جورج سعاده وقصد برفقة يوسف نجم بيت "الكتائب" والتقيا وليم حاوي ومسؤولين عسكريين، حيث أطلعهم الرقيب أول نجم على معلوماته. طلبت القيادة الكتائبية معلومات إضافية، فما كان منه إلا أن حمل كاميرا ورغم الخطر صوّر خفية إحدى القوافل وأعطى الصور للقيادة الكتائبية.


عندما شاهد جورج سعاده الصور قال ليوسف نجم: "أنت مجنون يا يوسف لو عرفوا ما تقوم به لقتلوك".


بعد أن تأكدت قيادة الكتائب من المعلومات، أدلى الشيخ بيار الجميل بتصريحه. أما يوسف نجم فخوفًا من انكشاف أمره وتعرضه لمكروه سعى الدكتور جورج سعاده لنقله إلى جديدة المتن، وهكذا بفضل رقيب أول من بلاد البترون انكشف هذا التسلل الفلسطيني.


من هو إميل الشمالي وما قصته؟

هو معاون في الجيش اللبناني من سرعين البقاعية متزوج من كفرحاتا قضاء زغرتا. تم تشكيله سنة 1974 إلى الشعبة الثانية (مخابرات الجيش) في الشمال وتعيينه في أمانة سر الشعبة في ثكنة القبة في طرابلس.


يروي المثلث الرحمة المطران بولس إميل سعاده وكان في سبعينات القرن المنصرم كاهناً يخدم رعية إهدن – زغرتا أنه مطلع سنة 1975 وقبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب، قصده في بيت الكهنة في زغرتا جندي غريب وبعد أن عرّف عن نفسه قال للخوري إميل سعاده: "يا أبونا لا يطاوعني ضميري إلا أن أقصدك: أنا لست حزبيًّا ولا مرجعية سياسية لدي ممكن أتواصل معها، والخطر القادم كبير جدًّا لا بل كارثي. بحكم موقعي في أمانة سرّ الشعبة الثانية أمكنني الاطلاع على كل التحركات العسكرية الفلسطينية والأحزاب الحليفة لها في الشمال وما يملكون من أسلحة وذخائر وأين مواقعها. قررت المجىء إليك وإخبارك وأنت تعرف ماذا تفعل؟


وضع طرابلس والشمال هو على الشكل التالي، يقول المطران سعاده: "صدمتني معلومات المعاون إميل الشمالي أحسست الأرض تدور بي وأنه سيتم مسحنا عن الخارطة... كان مع المعاون الشمالي أرقام عن السلاح والتسلح والعصابات والمسلحين وانتشارهم مرعب".


قلت له: "العناية الإلهية أرسلتك إليّ لوضع تقرير بمعلوماتك وسأنقله إلى قيادات زغرتا وسنبقى على تواصل. وُضع تقرير مفصّل بالمعلومات التي يحملها المعاون إميل الشمالي وحمله الخوري إميل سعاده وجال به على قيادات زغرتا الذين صدموا مما ورد فيه وتوافقوا على تكليف الخوري سعاده متابعة التنسيق مع المعاون شمالي وشكلوا لجنة عسكرية مصغرة من العائلات لدرس خطة الرد".


كان عنوان المرحلة: زغرتا ستتلقى الضربة الأولى وعلينا ردها وتوجيه ضربة قاسية للمعتدين.


يتابع المطران سعاده: ساعدت كثيرًا معلومات المعاون الشمالي ولاحقًا بمساعدة عدد من رفاقه في صد كل الهجمات التي تعرضنا لها، وعندما صدر القرار باقتحام ثكنات الجيش اللبناني في القبة وتخليص ما يمكن تخليصه من الأسلحة والذخائر قبل أن تقع في أيدي الفلسطينيين، كان للخرائط التي وضعها المعاون شمالي ورفاقه الدور الأهم في إنجاح العملية.


ما كان مصير المعاون إميل الشمالي؟


يبدو أن الفلسطينيين شعروا بشيء ما يقوم به فكمنوا له عصر السبت 8 آذار 1976 وهو يخرج من ثكنة القبة وقتلوه فارتفع إلى مرتبة الشهداء تاركًا أرملة و4 أطفال كبيرهم لم يتجاوز العاشرة من عمره وصغيرهم في سنته الأولى واعتبرته زغرتا من ضمن شهدائها.


من المؤكد أنّ هناك العشرات من أمثال يوسف نجم وإميل الشمالي، خاطروا بأرواحهم من أجل بلدهم، ولفّهم النسيان وأصلًا هم لم يطلبوا أي تكريم أو مجد.


نعود إلى مرفأ بيروت، من سنة 2013 تاريخ وصول "النيترات" إلى المرفأ ولغاية يوم الانفجار: ألم يظهر في مرفأ بيروت عامل أو موظف أو جندي واحد كالرقيب أول يوسف نجم والمعاون إميل الشمالي يحمل معلوماته إلى مرجعية دينية أو سياسية ويخبرها بما يعرف؟ حتى الذين تقاعدوا؟ هل يعقل ألا يخرج من مرفأ بيروت موظف أو جندي واحد، ويتوجه إلى أي مطران في بيروت ويخبره عما يعرفه وما يتم تخزينه؟ كلهم ما كانوا يعلمون ماذا في "العنبر 12"؟ ما كانوا يدركون الخطر الموجود؟ هل كان الخوف قاتلهم؟ هل هناك أحد ما أخبر مرجعية دينية أو سياسية وسكتت؟

لذا، مع محاسبة المجرمين يجب أيضًا محاسبة من كان يعلم وسكت ولو خوفًا.


قد يقول البعض إن ظروف ما قبل اندلاع الحرب اللبنانية ربيع 1975 هي غير ظروف اليوم: إذا تكلم موظف اليوم لا أحد يحميه وممكن المرجعية التي سيخبرها هذا الموظف أو الجندي هي من ستخبر عنه.


احتمال وارد فمرجعيات اليوم ما عادت كما كانت سابقًا، ولكن يوسف نجم وإميل الشمالي وغيرهما لم يخافوا يومها ولو كان الموت يترصدهم.