في زمنٍ بات فيه تناول القضايا والمواضيع الشائكة والحسّاسة، متاحًا بأريحيّة لافتة عبر وسائل الإعلام وعلى المنصّات الرقميّة، ما زالت الدراما اللبنانية تصطدم أحيانًا بجدار الرقابة التقليديّة، الذاتيّة أحيانًا والتي يفرضها المنتجون والكتّاب والمخرجون على أنفسهم أو رقابة الجهات الرسميّة المعنيّة. الرقابة على الدراما وإن بدت في أيامنا الحاليّة أقل حدّة من السابق، إلا أنها لا تزال تمارس تأثيرًا واضحًا على مساحة حريّة التعبير الفنّية.
"الرقابة لا تزال تشكّل العائق الأكبر أمام تطوّر الدراما اللبنانية"، بهذا الوضوح تتحدّث الكاتبة كلوديا مرشليان عن الموضوع. وتشدّد لـ "نداء الوطن" على أنّ "أكثر ما يُمنع تناوله في النصوص هو السياسة والدِّين، لأنّ الدّولة تعتبر أنّ طرح هذه المواضيع قد يثير الفتنة، أو يعيد إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية". في المقابل، تعتبر مرشليان أنّ القيود التي كانت تُفرض سابقًا على المَشاهد الجريئة، تراجعت إلى حدّ ما، مشيرةً إلى أنّ "الدراما اليوم باتت تتّسع لبعض الجرأة، لكنّ التعامل مع هذه المشاهد يبقى محاطًا بالحذر والخوف من المنع".
كتابة حذرة
تتوقّف مرشليان في حديثها معنا عند تجربتها في مسلسل "أحمد وكريستينا"، الذي تناولت فيه الزواج المختلط، فتوضح أنها اضطرّت إلى تقديم القصّة في إطار تاريخي وبأسلوب مُلطّف، "حتى لا يُرفض العمل رقابيًا. فقد عملتُ على النصّ بحذر، لأنني كنت أعلم أنّ أيّ خطوة متقدّمة قد تؤدي إلى إيقاف المسلسل".
مرشليان التي تفرض عادةً رقابة ذاتية على كتاباتها قبل أن تُعرض على الجهات الرسميّة المعنيّة، لفتت إلى أنّ بعض القنوات التلفزيونيّة اللبنانيّة وخصوصًا الفضائيّة منها، ساهمت في كسر بعض المحرّمات. وتضرب مثالًا على ذلك، قائلةً: "قدّمتُ مسلسلات جريئة عبر "mtv" لأنها قناة غير خاضعة مباشرةً للرّقابة المحليّة، وهذا سمح لنا بطرح مواضيع حسّاسة بأسلوب جديد".
رقابة خارج الواقع
واعتبرت مرشليان أنّ من يضع الخطوط الحمراء هو الجهات الرسميّة المعنيّة في الدولة، لا المجتمع ولا القنوات التلفزيونيّة، مؤكّدةً في هذا الإطار أنها لا تفهم كيف أنّ هذه الجهات ما زالت تقوم بهذا الدَّور في وقت لم يعد هناك من معنى لوجود الرقابة أمام الانفتاح الذي فرضه الإنترنت ومنصّات العرض العالميّة التي باتت تُدخل إلى كلّ بيت أعمالًا تتناول المخدّرات والمثليّة الجنسيّة والعنف والفساد، من دون أي رقابة. وتساءلت هنا "كيف تسمح الدولة بهذا الكمّ من الحرّية في المشاهدة المنزلية، وتمنع كاتبًا من طرح موضوع إنساني أو واقعي على شاشة لبنانية؟". وتذهب الكاتبة اللبنانية المعروفة إلى اعتبار أنّ "الدولة المتحضّرة هي التي تلغي وجود أي جهة رقابيّة، لأنّ الرقابة التي تمارسها اليوم لم تعد تواكب الواقع بل باتت تشكّل عائقًا أمام تطوّر الفنون والدراما".
أما في ما يتعلق بالمنصّات الرقميّة العربيّة، فرأت مرشليان أنّ "الاعتقاد بأنها أكثر انفتاحًا ليس دقيقًا"، مشيرةً إلى أنّ "منصّات مثل "شاهد" تخضع لرقابة أكثر صرامة من القنوات اللبنانيّة المحليّة، لأنها مرتبطة بثقافة مجتمعات محافظة، بينما أصبح المجتمع اللبناني أكثر وعيًا وانفتاحًا، ولم يعد يتقبّل الأعمال التي تُقدَّم بنعومة زائدة تدوّر الزوايا".
لكن، أي مواضيع ترغب كلوديا مرشليان بتناولها في مسلسلات من كتابتها وقد يُعتبر التطرّق إليها من الخطوط الحمراء؟ تضع الكاتبة أمامنا لائحة طويلة من المواضيع، منها: الهويّة الجنسيّة، والمساكنة، والإنجاب خارج إطار الزواج، واختلاط الأديان، والفساد السياسي... وتؤكّد أنّ "الواقع اللبناني تغيّر، لكنّ الدراما اللبنانية لا تزال مكانها، واستمرار الرقابة سيقود إلى شرخ كبير بين الدراما والمُشاهد اللبناني".
رقابة المشاهدين
المخرج دافيد أوريان يشير في حديثه عن واقع الدراما المحليّة، إلى تحدّيات يواجهها العاملون في هذا القطاع عند تناول المواضيع الحسّاسة، ويقول إنه يسعى باستمرار في عمله لتحقيق توازن بين الجرأة والتحفّظ. لكنّه يوضح أنّ التضييق ليس من الرقابة الرسميّة بقدر ما هو من ردود فعل بعض المُشاهدين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل القنوات التلفزيونيّة وشركات الإنتاج تتردد في تناول بعض المواضيع المهمّة التي ينبغي أن تُعالج في الأعمال الدراميّة، والتي هي من واقع مجتمعنا ولا يمكن الهروب منها. ويذهب المخرج الشاب إلى التأكيد لنا أنه اضطر في أكثر من مناسبة لتعديل أو حذف مشاهد من أعمال دراميّة نفّذها، على الرغم من أهميتها فقط لأنّ "الجوّ العام" لا يتقبّلها.
أوريان الذي وقّع مسلسلات عدّة للشاشة الصغيرة والمنصّات، من بينها "وجع الروح" و "أم بديلة" وسواها خارج لبنان حيث تختلف معايير الرقابة، يقول إنه حرص على التعامل مع القضايا الحسّاسة في المسلسلات بدقّة وتوازن، مركّزًا على الإنسان قبل القضيّة. وأكّد أنّ "المنصّات الرقميّة تمنح مساحة أوسع للتعبير، بخلاف التلفزيون المحليّ الذي يرغب في إرضاء المشاهدين بكلّ توجهاتهم وفئاتهم، ما يقيّد حرية الإبداع أحيانًا".
نسأل المخرج دافيد أوريان عن كيفيّة تعامله مع أي طلب لإجراء تعديلات رقابية، فيجيب "نداء الوطن": "أحاول التفاوض مع الجهات المعنيّة أولًا لإيجاد حلول تحافظ على الفكرة، لكن أحيانًا اضطر للموافقة على حذف بعض المَشاهد حتى لا يتوقّف العمل، مع إيماني بأنّ الرقابة العشوائيّة تُعيق تطوّر الدراما".
أوريان تحدّث عن ضرورة طرح القضايا الحسّاسة في الأعمال التمثيليّة، ومنها المثليّة والانتحار والمخدّرات، بهدف الفهم والنقاش لا التشجيع والثناء أو التشهير، مؤكدًا في المقابل رفضه المتاجرة بالمعاناة الإنسانية لتحقيق تأثير عاطفي سريع لدى المشاهدين، وحرصه على احترام أيّ قصة تُروى.
مدمن على... السكاكر
ويُخبرنا أوريان عن تجربة حدثت معه في واحد من الأعمال غير اللبنانيّة التي تولّى إخراجها، فيقول: "في أحد المسلسلات، كان البطل مدمنًا على المخدّرات، والقصّة معروفة لدى الجمهور. فجأةً، وصلنا طلب من جهة رقابيّة بضرورة حذف كلّ ما له علاقة بالمخدّرات واستبداله بشيء آخر، فسألتهم متعجِّبًا: "مثل ماذا؟ ماذا نضع بدلًا من المخدّرات؟"، أجابوني بجدّية تامة: "اجعل الإدمان على السكاكر". ظننت في البداية أنهم يمزحون، لكنهم كانوا جادّين تمامًا. فصوّرتُ المشهد كما أرادوه، ليظهر البطل وهو يدمّر حياته من أجل السكاكر!". يؤكّد أوريان: "هذه ليست إلا واحدة من عشرات القصص المضحكة التي مررت بها"، ويختم بالإشارة إلى أنّ الجمهور اللبناني بات أكثر وعيًا وتقبّلًا للمواضيع الحسّاسة، ويميّز بين الجرأة المجانية والجرأة المسؤولة، لافتًا إلى أنّ الجيل الجديد لا يخشى الحوار والنقاش مع الآخر في مختلف المواضيع.
قيد يكبّل الفن
المخرج جورج تادروس فتح دفاتر علاقته القديمة الجديدة بالرقابة على الأعمال التمثيليّة في لبنان حين سألناه عن تجربته مع الموضوع، ووصف هذه العلاقة بأنها لم تكن سهلة يومًا، مشيرًا في حديث لـ "نداء الوطن" إلى أنّه في أكثر من مناسبة طُلب منه تعديل مَشاهد أو حذفها بالكامل، وغالبًا ما كانت هذه الطلبات مفاجئة وغير منطقيّة، "وكأنّ الرقابة تتدخّل من دون فهم عميق لماهيّة العمل أو النيّة منه".
يجزم تادروس بأنّ "الرقابة في لبنان لم تعد تخدم المجتمع، بل تحوّلت إلى قيد يكبّل الفن والمبدعين ويمنع المجتمع من رؤية نفسه بمرآة صادقة. فالفن ليس عظة كاهن على المذبح، إنما دوره هو طرح الأسئلة لا تكرار المسموح فقط".
وعن الخطوط الحمراء التي تواجه المخرجين والكتّاب، يضع تادروس "السياسة والدِّين والجنس في رأس القائمة"، ويضيف: "رغم أنّ هذه الممنوعات تبدو واضحة، إلا أنّ المنع غالبًا ما يكون عشوائيًا وغير مدروس، فيما تمرّ أحيانًا مضامين أخرى قد تخرّب المجتمع بشكل غير مباشر".
لكن هل الرقابة التي يتحدّث عنها تطال الصورة أم النص؟ يجيب مخرج الأفلام القصيرة "الطريق" و "التحدي" و من أنا؟"عن سؤالنا، بالتأكيد أنها تطال النَّص والصورة معًا، "إلا أنّ النَّص يتعرّض لحذف الأفكار أكثر، لأنّ الفكرة غالبًا ما لا تُفهم، فيُحذف المقطع على صحّة السلامة".
ويذهب للمقارنة بين الرقابة اليوم وتلك التي كانت تُمارَس سابقًا، فيعتبر أنها اليوم "ليست أكثر تشددًا، لكنها أذكى. فهي تجعلك تخاف وتراقب نفسك بنفسك، خصوصًا إذا كان الموضوع الذي يجري تناوله يمسّ بالسياسة". وهذا ما يفسّر بالنسبة لتادروس، ابتعاد الكتّاب وصنّاع الدراما عن التوثيق السياسي الجريء للأحداث والاكتفاء بكليشيهات سطحية لا تزعج أحدًا.
تادروس يلفت إلى أنه رغم تحوّل المشهد الإعلامي من التلفزيون إلى المنصّات الرقمية، إلا أنّ الرقابة التقليدية لا تزال قادرة على العرقلة والمنع والتخويف، وإن كانت تخسر تدريجيًا من هيبتها. لكن في المقابل يرى أنّ الرقابة الاجتماعية تبقى أخطر بكثير من الرقابة الرسميّة، لأنّ المجتمع نفسه أصبح أكثر تزمّتًا من الدولة.
أما عن أكثر المشاهد التي تمنّى تقديمها على الشاشة وتراجع، فهي تلك التي تتناول فصولًا من "تاريخ النضال اللبناني والتنكيل ببعض المسيحيين"، مؤكدًا أنه طالما حلم بتجسيدها كما هي، لكنه خاف من الجدل، خصوصًا في ظل الظروف السياسية الحالية.
أعمال قيد التحضير مشاريع دراميّة جديدة تعمل عليها الكاتبة كلوديا مرشليان التي كشفت لـ "نداء الوطن" أنها بصدد الانتهاء من فيلم بعنوان "شربل"، كما تُحضّر لعملَين موجّهَين إلى خارج لبنان وأعمال محليّة أخرى، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية في الوقت الحالي. المخرج دافيد أوريان يستعدّ من جهته لتقديم عمل درامي جديد يجمع بين البعدَين النفسي والاجتماعي، ويغوص من خلاله في أعماق الشخصيات كاشفًا صراعاتها الداخلية. أما المخرج جورج تادروس فهو بصدد كتابة وثائقي انطلاقًا من مذكّرات البطريرك الماروني الراحل نصر الله صفير، متمنّيًا أن يتمكّن من إصداره كما هو، "من دون شطب أي حرف منه". |