ريتا عازار

العودة إلى الجسد

قراءة في تجربة النحّات الشاب غابرييل آكر

6 دقائق للقراءة

في زمن طغت فيه الرقمنة على الملموس وسادت فيه السرعة على التأمّل، يظهر Gabriel Akre، النحّات الأميركي الشاب، كصوتٍ هادئ إنما راسخ، يعيد النحت إلى جوهره الأوّل: الجسد، التراب، والروح. وُلد غابرييل آكر في العام 1998 في مدينة لانسِنغ، ميشيغان، ونشأ في ساوث بند، ولاية إنديانا. ومنذ طفولته، انجذب إلى عالم الفن، بخاصة عندما كانت والدته تصحبه إلى "معهد الفنون" في شيكاغو، حيث وقف طويلًا أمام لوحات مونيه وفان غوخ، لكنّه على نحو خاص، وجد نفسه مأخوذًا بأعمال رودان سيّد النحت الحديث. بدا له النحت حينها كفنّ لا يكتفي بالمشاهدة، بل يُمسّ ويُلمس ويحتكّ بالواقع مثلما تحتكّ الأرواح بالأجساد.


لقد كانت هذه البذرة وهذا الإحساس الغامض بالملموس، هما اللذان نمَوَا وتطوّرا ليصوغا مسيرته الفنية لاحقًا. بعد مرحلة دراسيّة ناجحة في الفنون في المرحلة الثانوية، التحق آكر بـ "كليّة هيرون للفنون والتصميم" في إنديانابوليس، حيث نال درجة البكالوريوس في الرسم في العام 2020. لكنّ النحت لا الرسم، هو ما بدأ يفرض حضوره تدريجيًا. فخلال برنامج دراسيّ قصير في إيطاليا، ثمّ لاحقًا خلال فصل دراسيّ في كلية الفنون في فلورنسا، وجد آكر نفسه أمام تماثيل مايكل أنجيلو وبرنيني، واكتشف أنّ النحت هو اللغة التي تبحث عنها روحه.



النحت يقتحم المساحة

في أحد لقاءاته، قال آكر: "الرسم يدعو المُشاهد إلى الدخول في عالمه، بينما النحت يخرج إليك. يدخل فضاءك، يواجهك، يستوقفك". هذه العلاقة المباشرة، شبه الجسدية، بين العمل والمتلقّي، هي ما جعلت النحت ملاذًا لفكره ووجدانه.


بعد تخرّجه في ربيع العام 2020، جاء الإغلاق العالمي بسبب جائحة كورونا. يسمّي آكر تلك الفترة بـ "سنة التوقّف القسري"، إذ حُبس في منزله من دون أفق واضح، غير أنّ هذه العزلة عمّقت تأمُّله في ذاته وفي فنّه، وقادَته إلى قرار مصيريّ وهو الالتحاق بـ "أكاديميّة فلورنسا للفنون"، التي وُلدت من رحم المدرسة الأكاديمية الأوروبية، وأعادت إحياء المهارات الكلاسيكية في الرسم والنحت. هناك، وجد ما أسماه "البرهان الحيّ على أنّ تقاليد النحت التصويريّ لم تندثر".



المعلّمون في الطريق الفنيّ

خلال ثلاث سنوات من الدراسة المكثّفة، تعلّم غابرييل آكر على يد أسماء مرموقة مثل ميتش شيا (النحت) وسانديب كريشنان (الرسم). ومع انتهاء دراسته، أصبح مقيمًا فنيًا وأستاذًا في الأكاديمية ذاتها، وهو ما يعكس المكانة التي بلغها خلال وقت قصير.



الفن كرسالة روحيّة

لكن من هو غابرييل آكر في جوهره؟ هو فنّان يرى في النحت وسيلةً لفهم الإنسان، لا على المستوى الجمالي فحسب، بل الوجودي. إنه يعيد للجسد الإنسانيّ رمزيّته الأولى، تلك التي تربط بين الجسد والروح، بين الصورة والمثال، بين الأرضي والربّاني.



جدل الخلق والتأمُّل

في إحدى مقابلاته، قال آكر: "الإيمان يؤدّي دورًا مهمًا في حياتي. دعوة الفنان هي المشاركة، ولو بجزء بسيط، في عمليّة الخلق الإلهيّ. حين نخلق عملًا فنّيًا جميلًا، فإننا نقترب من اللّه".


هذه النظرة اللاهوتيّة إلى الفن، النابعة من تقاليد تمتدّ من أفلاطون إلى توما الأكوينيّ، تعبّر عن نفسها في أعماله بوضوح. فهو لا يصنع التماثيل لمجرّد الإتقان، بل لالتقاط لحظة من الحياة الداخلية للشخص. في كلّ تمثال يصوغه، نجد نظرة، انحناءة، وضعيّة يد، أو تشنّج عضلة، تحكي حكاية صامتة عن تجربة بشرية عميقة.



بين الإتقان الحِرفيّ والرؤية الفلسفيّة

منذ العصور القديمة، كان النحت التصويريّ مرآة تعكس رؤية الإنسان للعالم ومكانته فيه.


في اليونان الكلاسيكيّة، لم تكن التماثيل مجرّد تمجيد للجسد، بل كانت تعبيرًا عن انسجام الكون وجمال النظام. أمّا في العصور الوسطى، فقد تحوّل الجسد إلى رمزٍ روحانيّ، وأصبح النحت وسيلة لنقل الإيمان والمعاني اللاهوتيّة إلى العامة، بخاصة عبر الواجهات المزخرفة للكاتدرائيّات. ثم جاء عصر النهضة ليعيد الاعتبار للجسد كصورة للمثال الأعلى، كما فعل مايكل أنجيلو في تمثال "دافيد"، جامعًا بين الجمال الجسدي والنبل الأخلاقي.


في هذا السياق، يمكن النظر إلى أعمال آكر كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من الحوار بين المادة والروح. فهو، شأنه شأن أسلافه الكبار، لا يرى الجسد كتكوين بيولوجي فقط، بل كبُنية معنويّة تُعبّر عن التوق الإنسانيّ نحو السمو، وتكشف عن لحظة صامتة من التواصل بين الفن والإلهي. من هنا، لا يعود النحت مجرّد فنّ، بل يصبح بحثًا وجوديًا في طبيعة الإنسان وحدوده وغايته.



مرآة الروح في الطين والحجر

أعماله مثل "The Garden" و "Revelation" و "Corpus" و "Cascade"، ليست فقط استعراضًا لمهاراته التقنية العالية، بل هي تأمُّلات في الجسد كمرآة للروح. تمثال Corpus مثلًا، الذي أُنجز بالتعاون مع النحّات أندرو ويلسون سميث، يحمل روحًا دينيّة واضحة. واللافت أنّ هذا التوجّه الروحيّ لا يأتي على حساب الجمال أو الحسيّة، بل يُدمج بينهما في توازن نادر.


وفي الوقت الذي يزداد فيه الحذر الغربيّ من تمجيد الجسد، خاصة في السياقات الدينية، يذهب آكر عكس التيار، ليقول إنّ الجسد البشريّ، بجماله وتعقيده، هو أقدس ما في الفن، لأنه، ببساطة، على صورة اللّه. وفي هذا السياق، لا يتردّد في الدفاع عن منحوتة برنيني الشهيرة "نشوة القديسة تيريزا"، قائلًا إنها، على الرغم من طابعها الحسّي، عمل مقدّس بكلّ ما في الكلمة من معنى.



من الشهادة إلى الفردوس

اليوم، يعمل آكر على مشروع جديد يتمحور حول القديس مينياتو (San Miniato)، الشهيد الفلورنسي الذي قُطع رأسه بسبب إيمانه، ثمّ، حسب الأسطورة، حمل رأسه وسار به من قلب المدينة إلى تلال فلورنسا حيث مات، وفي ذلك الموقع بُنيت كنيسة "سان مينيانو آل مونتي".


اختيار آكر هذا الموضوع ليس عبثًا، بل هو امتدادٌ لاهتمامه بموضوعَي القيامة والحياة الأبديّة، وهي موضوعات عميقة ومتشعّبة في تاريخ النحت الديني، لكنها نادرًا ما تُتناول بصدق وحساسيّة في عصرنا الحديث.



من فلورنسا إلى نيويورك

في تشرين الأوّل المقبل، سيشارك غابرييل آكر في معرض "الطريق إلى الفردوس" في فلورنسا، إلى جانب أربعين فنانًا معاصرًا، في عرض تنظمه مؤسسة "Pneuma Art Foundation"، ويتميّز بوجود نسخة برونزية طبق الأصل من "أبواب الفردوس" الشهيرة التي صنعها غيبرتي لكاتدرائية فلورنسا. كما وُجّهت له دعوة للمشاركة في صالون "ARC" الدولي في "سوذبيز نيويورك" في تموز 2026، وهي من أرفع الفعاليات الفنية العالمية التي تحتفي بالفن الأكاديميّ المعاصر.



بحث عن الحقيقة

إنّ تجربة غابرييل آكر، رغم قصرها الزمني نسبيًا، تمثّل ظاهرة فنية وروحيّة فريدة. فبينما يسير العالم الفني نحو التجريد والتمرّد على الشكل، يختار هو العودة إلى الجذور، إلى الطين، إلى العظام، إلى التعبير البشري المباشر. لا نبالغ إذا قلنا إن آكر لا ينحت أجسادًا، بل ينحت أرواحًا في أجساد.


لقد أعاد هذا الفنان الشاب إلى النحت الحديث شيئًا من طهارته الأولى، من بُعده الميتافيزيقي الذي يجعل من الجسد البشريّ معبرًا نحو المطلق. وفي زمن تتلاشى فيه الحدود بين الفن واللاشيء، يبقى غابرييل آكر أحد الأصوات النادرة التي تؤمن أنّ الفن لا يزال رسالة، وأنّ الجمال، في صورته الصادقة، لا يزال طريقًا إلى الحقيقة.