وائل خير

حق شعوب لبنان بتقرير مصيرها

4 دقائق للقراءة

انحصر اهتمام اللبنانيين كما المجتمع الدولي بمادة على جدول أعمال مجلس الوزراء الذي انعقد في 7 آب 2025 المتعلقة بحصر السلاح بالجيش اللبناني تنفيذًا لمقررات دولية وما يكاد يكون إنذارًا أميركيا بترك لبنان لمصيره في حال التردد أو المماطلة.


أعلنت الشعوب المسيحية والسنية والدرزية تأييدها قرار الحصر فيما كان للشعب الشيعي رأي أخر عبّر عنه بتقليد ستاليني يقوم على التفاوض لكسب الوقت عبر وفدين: وفد الـ (دا) نعم، ووفد (نييت) كلا بالروسية. وفد الدا كان جولات على القيادات السياسية الحليفة، ووفد النييت كان الإعداد لحشود شيعية غاضبة في الجنوب تنسق مع "اتحاد العشائر في البقاع" لاجتياح بيروت أثناء انعقاد مجلس الوزراء المفصلي.


كانت النتائج هزيلة للحكم وللمعارضة. لا جماهير الجنوب ولا االعشائر ظهرت في العاصمة. الوزن الشيعي انحصر بمواكب دراجات نارية لم تتعدَ الـ 120 دراجة تردد "هيهات منا الذلة"، امتثلت لأوامر رجال الأمن بعدم تخطي الضاحية. أما المجلس الوزاري فبالرغم من التشديد والعزم على تنفيذ القسم الرئاسي، اتخذ إثر جلسة طويلة قرارات تاريخية ببعض التعيينات الإدارية وتكليف لجنة عسكرية بوضع خطة لجمع السلاح ورفعها إلى مجلس الوزراء، كما كان ضمن القرارات التاريخية تسمية جادة باسم فقيد الفن زياد الرحباني.


لمَ لا نعترف بما لم يعد خافيًا على أحد. مأساة لبنان ليست فقط في نظامه أو سوء اختيار حكامه وفسادهم. مأساة وطننا هي بالتأكيد "خطيئة أصلية" يتوارثها اللبنانيون منذ 1920، عام شؤم إعلان "دولة لبنان الكبير" الذي ابتدأ بنظام مركزي لينتهي بعد "الطائف" إلى إدارة لبنان عبر مجلس وزاري يماثل مجلس أمن لكل عضو فيه حق الفيتو.


مأساة لبنان تكمن في الجمع بشعوب متنوعة فيه هي امتدادات لشعوب المنطقة الأقل استقرارًا في العالم. وجدت دول المنطقة فائدة في تحويل لبنان عبر امتداداتها حلبة صراع ضد أعدائها يكون لهم من الصراع الغنم ويقع على لبنان الغرم. من هذه المسلّمة التي لا جدال حول صحتها، تنبثق الحلول.


الحل الجديّ لمآسي لبنان المتجددة باستمرار يقوم على إيلاء شعوب لبنان حق تقرير مصيرها. فإن وجد أحدها مثله الأعلى في ولاية الفقيه وما يرجوه لأولاده من ارتقاء الشهادة على طريق القدس، فهو حق خالص له، كما لا حق لهذ الشعب أن يفرض قيمه على شعب آخر من شعوب لبنان يجد في الغرب وقيمه مثالًا يحتذيه.

ليست إشارتي إلى تفسّخ المجتمع اللبناني ادعاء لا سند له. حسبي النشيد الوطني اللبناني. نشيدنا مكون من مقاطع ثلاثة ولازمة تتكرر مع كل مقطع. عنوان نشيد لبنان ومطلع اللازمة هما "كلنا للوطن. "التي تتكرر سبع مرات في قصيدة صغيرة الحجم. لمَ هذا التشديد على بديهية هي أن كل المواطنين لأوطانهم؟ لا تجد ذكرًا لبديهية ولاء المواطن لوطنه في أناشيد الآخرين إذ الولاء للوطن مسلّم به لا حاجة حتى لذكره ناهيك بتكراره . هل من الممكن أن يعود التشديد والتكرار إلى الريبة بولاء اللبنانيين للبنان والشك به؟ أليس من الممكن أن يكون التكرار اعترافًا ضمنيًا بأننا لسنا "كلنا للوطن"؟

على أن المأساة الكبرى ليست هنا. إنها في المقطع الثاني من النشيد. "شيخنا والفتى عند صوت الوطن. أسد غاب متى ساورتنا (ماذا؟) الفتن". اعتداء قوة أجنبية على بلد آخر يصطلح عليه لغويًا بـ "عدوان" أو ما يرادفه. أما "الفتنة" فهي تفسّخ داخلي تستعين به قوى خارجية تضمر شرًا تضرمه أو تزيده اشتعالًا لينتهي باقتتال وحروب أهلية. المأساة أن نشيدنا الوطني يفخر بأن اللبناني، على اختلاف فئاته العمريّة، "شيخنا والفتى" يتحول إلى "أسد غاب" في أحوال "الفتن" أيأحوال الاقتتال الداخلي بين اللبنانيين. فالوطن اللبناني، حسب النشيد الوطني، هو ليس الانتماء للوطن بل إلى ما هو دون الوطن، إلى جزء منه بحيث إن اقتضي الأمر حمل السلاح دفاعًا عن هذا الولاء الجزئي يتّحول اللبناني الى "أسد غاب" ضارٍ.


من الممكن رفض الدعوة إلى تقرير شعوب لبنان مصيرهم بحجة صغر حجم لبنان. سقط العمل بهذا الشرط في العقود الأخيرة. طوت القيم الحديثة مقولة "المدى الحيوي" الذي شاع منذ صلح وستفاليا 1648 حتى العقود القريبة. المثال الأكثر إقناعًا بأن الانسجام وليس الحجم شرط الازدهار هو سنغافورة، الأولى عالميًا في الدخل الفردي مع اأن مساحتها أقل من 1 على 12 من حجم لبنان.


لست بغافل أن اقتراحي سيرفض ليس لضعف سنده بل لأنه يخالف المألوف. لا شك لدي بأن التطورات، ربما غير البعيدة، ستضم اعدادًا متزايدة من شعوب لبنان إلى قبول طرح لا خلاص للبنان إلا به.