الدكتور سايد حرقص

من عنتريات "أبو سلة" إلى غضب عشائر البقاع: مسرحية "شي فاشل" بنسخة سياسية قاتمة

4 دقائق للقراءة

في البقاع اللبناني، حيث تتشابك الكرامة مع السلاح وتتقاطع العادات مع الإهمال، يتصاعد غضب شعبي وعشائري عارم في مواجهة واقع اقتصادي ينهار بلا كوابح. إنها منطقة تُركت، منذ زمن طويل، لمصيرها، أسيرةً بين تفلّت السلاح وتقصير الدولة في أبسط الخدمات، بينما تكتفي السلطة بلعبة التذاكي السياسي بدلًا من الحوكمة الرشيدة.


​لطالما كانت عشائر البقاع صمّام أمان اجتماعي، حافظت على توازن نسبي في غياب سلطة الدولة. لكن مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية، باتت العشائر تواجه تهديدًا مزدوجًا: داخليًا، عبر حملات إعلامية تحرّض عليها وتصوّرها كبيئة حاضنة للفوضى والمخدرات، وخارجيًا، عبر ارتفاع مخاطر غارات إسرائيلية أو هجمات من الجانب السوري، على غرار ما حدث في السويداء.


​هذا التهميش أدّى إلى نمو العصابات التي ازدهرت بسبب انتشار الفقر والجهل، ما أوجد صدامات متواصلة بين الجيش اللبناني وهذه المجموعات. إن تجاهل الدولة لعقود وغياب التنمية جعل المنطقة رهينة لشبكات نفوذ مافيوية تتقاطع فيها المصالح الحزبية والأمنية والسياسية.


​اللافت اليوم هو محاولة حزب الله التلطّي وراء هذا الغضب العشائري، في مسعى واضح لتوريط أبناء البقاع في معارك لا علاقة لهم بها. الهدف من ذلك هو تبرير استمرار سلاحه كـ"ضمانة داخلية" بزعم حماية هذه البيئة "المستهدفة".

عبر بيانات وهمية باسم العشائر وحملات تحريض منسّقة على وسائل التواصل، يسعى الحزب لافتعال مشهد شعبي غاضب يستدرج صدام العشائر مع الدولة. إنها محاولة لإعادة إنتاج سيناريو "القمصان السوداء" ولكن هذه المرة بعباءة عشائرية.


​المفارقة المؤلمة أن الحزب نفسه زجّ بأبناء البقاع في معارك خارج الحدود عندما أرسلهم للقتال في سوريا دفاعًا عن نظام الأسد، مما أدّى إلى تأجيج الكراهية مع السوريين على الجانب الآخر من الحدود. واليوم، يُراد للعشائر أن تكون واجهة داخلية لصراع أكبر من معاناتها، فتُستخدم كأداة ضغط ضد مؤسسات الدولة الأمنية والسياسية.


​تستحضر هذه الوقائع مسرحية المبدع زياد الرحباني "شي فاشل"، التي سخرت من السلطة المنفصلة عن الواقع. في المسرحية، يثور الجمهور على الكذب الفني لأنه لم يعد يطيق تمثيلًا ركيكًا. وفي البقاع، يحاول الحزب تكرار المسرحية، لكن بأدوات أكثر خطورة.


​غضب عشائر البقاع ليس وليد "هفوة أمنية" أو مداهمة تاجر مخدرات، بل هو غضب اجتماعي مشروع سببه عقود من التهميش والإهمال. لكنه يُستغل الآن ضمن خطة خبيثة تهدف إلى ضرب ما تبقى من استقرار، وتحويل لبنان إلى ساحة دائمة للاشتعال.


​كما سخرت مسرحية الرحباني من "مُخرج غريب" زاد الأمور خرابًا، نرى اليوم "مُخرجًا سياسيًا" أكثر خبثًا، يستخدم أدوات إعلامية وأمنية لتضليل الرأي العام وتكرار منطق التخويف والاستعراضات الفاشلة، وذلك لجرّ العشائر إلى فخ الصراع مع الدولة.


​عندما يصرخ أبناء العشائر، فهم لا يدافعون عن تهمة، بل عن ظلم كبير قديم وعن منطقة مهملة يُراد محوها من خريطة التنمية. إنهم ليسوا ممثلين في عرض "شي فاشل"، بل مواطنون يطالبون بدولة تحميهم قبل أن يتحولوا إلى كبش فداء.


​إن التهديد بزحف العشائر إلى بيروت ليس إلا محاولة مكشوفة من حزب الله لإعادة إنتاج مشاهد الترهيب، مستغلًا غضبًا مشروعًا لخدمة أجندة لا علاقة لها بالبقاع. لكن الحزب قد يغفل أن هذا الغضب، إن انفجر، قد لا يسير في الاتجاه الذي يريده.


​البقاع لا يريد تمثيلًا. لا يريد "نصوصًا جاهزة" أو إخراجًا مفبركًا باسم "الحماية". البقاع يريد دولة حقيقية، ومؤسسات فاعلة، وقانونًا عادلًا. البقاع يريد أن يُعامل كمكوّن شريك في بناء لبنان، لا كخلفية لمشهد في مسرحية فاشلة.