جويل غسطين

"طرف خيط" لأسيل عيّاش... تحوّلات امرأة في عرض مسرحيّ

5 دقائق للقراءة

عام 2007، وقفت أسيل عيّاش على خشبة المسرح مجسّدةً شخصيّة "روز" للمرّة الأخيرة، قبل أن تنسحب بصمت من التمثيل والتأليف، في اعتكافٍ طويل دام أكثر من 15 عامًا. اليوم، وبعد غيبة سنوات، تعود عيّاش إلى الخشبة بعرضٍ جديد، تواجه فيه "روز" من موقع مختلف، بعدما مرّت بتحوّلات شخصيّة وإنسانيّة عميقة، كان أبرزها ولادة طفلَيها، وتفرّغها للتّدريب والتّعليم في مؤسّستها الخاصة.


عودة الكاتبة والمخرجة والممثلة أسيل عيّاش إلى المسرح، ليست مجرّد إعادة إحياء لشخصية قديمة قدّمتها، بل إعادة تشكيلٍ جذريّة، تنطلق من تجربتها كامرأة، وممثّلة، وأمّ، في مواجهة صريحة مع بطلة عرضها "روز"، ومع الذّات. "روز بقيت في الستوديو، أمّا أنا فقرّرت الإمساك بطرف الخيط وبدأت من جديد"، تقول عيّاش لـ "نداء الوطن".

لم تكن إذًا مسرحيّة "طرف خيط" مجرّد عودة إلى الخشبة، بل هي أشبه بطقس اعتراف داخلي، رحلة إلى ما وراء الأدوار المصقولة والصُّور الجاهزة. أسيل عيّاش كتبت، أخرجت، ومثّلت هذا العرض الفنّيّ بنفسها ولنفسها، في تجربةٍ تُعدّ من أصدق ما قُدِّم على المسرح اللّبناني مؤخرًا.

مواجهة الذات من خلال المسرح

تحت ضوءٍ خافت وبحركةٍ بطيئة تقصد التّأمّل، تتحوّل الخشبة إلى دفتر يوميّات. هناك، تفرش عيّاش حكاياتها: من الطّفولة، إلى الأمومة، إلى انكسارات الإنسان اليوميّة، ولحظاتها الفرحة. تتحدّث إلى نفسها بجرأة، وتواجه ما لا يُقال، محاوِلةً استعادة ما سُلب من صوتها عبر السّنين.

في "طرف خيط"، لا تكتفي عيّاش بتأدية دور "روز" القديم، بل تفكّكه، تعيد تركيبه، وتواجهه ككاتبة وممثّلة وأمّ.
تلك الشّخصية، التي كانت مجرّد دور في العام 2007، تحرّرت من القالب وأصبحت مرآةً لأسيل "الجديدة"، إذ من خلال النّص، نسجت خيطًا جديدًا استعادت به صوتها، جسدها، وحضورها الإنساني العميق.

عرضٌ للنساء
في الخامس من تموز الجاري، اختارت أسيل عيّاش مساحة "District 7" لتقديم عرضٍ واحد من عملها الجديد، أمام جمهور حظي باختبار تجربة غنيّة بالمحتوى والأداء، مشبّعة بمشاعر الشّوق والحنين إلى المسرح.

على "رصيف بيروت" توجّهت عيّاش إلى جمهور نسائي حصرًا، في محاولة منها لخلق مساحةٍ حميمة تُشبه المرآة لذاتها وللنّساء الأخريات في آن.

أرادت عيّاش من هذا العرض استكشاف مدى تأثير شخصيّتَي "أسيل" و "روز" في المونودراما الّتي تقدّمها، على النّساء تحديدًا. فلاحظت طاقة عاطفيّة عالية وعمقًا في التّواصل لم تكن تتوقعه.

عيّاش تُعبّر عن رغبتها في توسيع النّطاق الجغرافي لعروض المسرحيّة، نظرًا لما يحمله نصّها من معانٍ عميقة ورسائل إنسانية مؤثّرة. كما تكشف عن نيّتها الانكباب على أعمال مسرحيّة جديدة ومختلفة في المستقبل.

الأمومة منطلقًا
في فترة غيابها عن المسرح، اختبرت أسيل عيّاش تجربة الأمومة بكلّ ما تحمله من تحوّلات. لم تكن "طرف خيط" قد وُلدت بعد، لكن حين التقت أمّهات فنّانات، وُلدت الفكرة، وتشكّلت معها الرّغبة في الكتابة. لم يكن العرض مجرّد عودة فنّية فحسب، بل كان بحثًا عن الذّات، عن الجسد، عن التّجربة، عن التّغيير... والإنسان.

تشرح عيّاش: "بعد كلّ ما مررت به من أفراح وأحزان، كان لا بدّ أن أعود إلى المسرح لأشارك تجربتي مع الجمهور وأمارس شغفي من جديد".

الفنّ وسيلة علاج 
لم تكتفِ أسيل عيّاش بالمسرح كمساحةٍ للتّعبير الفنّي فقط، بل أسّست مشروعًا يحمل بُعدًا علاجيًّا وروحيًّا تحت اسم "Let Out LB"، تسعى من خلاله إلى تمكين الأفراد من إعادة التّواصل مع ذواتهم.

في هذه المبادرة، تدرّب عيّاش المشاركين في الدّورات على استخدام الجسد والصّوت وفنّ الخطابة، كوسائل لفهم الذّات والتّصالح معها. على أي حال، هي لا ترى المسرح مجرّد فنّ فحسب، بل أداة اكتشاف وتحرّر، وينبغي أن يتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية.

وفي زمن تتسارع فيه عزلة الإنسان مع نفسه بفعل استخدامات التّكنولوجيا، تؤمن عيّاش أنّ العودة إلى الذات أصبحت حاجة إنسانية ملحّة، وهنا يكمن جوهر مشروعها ونجاحه.

من جهةٍ أخرى، تولي عيّاش اهتمامًا خاصًّا بالمراهقين ضمن مركزها التدريبي، إذ تؤكّد أنّ لهم صوتًا وحضورًا ينبغي الإصغاء إليهما. وتشير إلى أنّ المراهقين لا يحتاجون سوى إلى من يفهمهم، ويعرف كيف يوجّههم بطريقةٍ صحيحة. كما تدعو الأهل إلى تعزيز علاقتهم بأولادهم من خلال تشجيعهم على حبّ الفن والثّقافة، والابتعاد عن الاستخدام المفرط للتّكنولوجيا، عبر تحويلها إلى أداة مفيدة تُسهم في بناء شخصيّة متوازنة ومبدعة.

خيطٌ لا ينقطع
قد يبدو "طرف خيط" للبعض مجرّد عرضٍ مسرحي، لكنّه بالنّسبة لأسيل عيّاش لحظة وجوديّة خالصة، تضيء عتمات الذّات وتفتح مسارات جديدة بين الفنّ والحياة، لتستعيد صوتها وترمّم ما خلّفه الغياب والتّبدّلات، وتراكمات الزّمن.

من تجربتها الشّخصيّة، نسجت خطابًا مسرحيًا يتجاوز الخشبة، ليصبح تمرينًا على الشجاعة ومواجهة الذّات، بحضورٍ صادق لا يختبئ خلف الأقنعة.

"طرف خيط" دعوة للإنسان كي يخلع أدواره، ويقابل وجهه الحقيقي في مرآة الزّمن، لا بقسوة الأحكام، بل بشجاعة المحبّة. إنه خيط يمتدّ من الدّاخل، لا من النّص بل من النّبض. خيطٌ قد لا يصل إلى نهاية، لأنّه ببساطة، حياة تُكتب من جديد، مع كلّ وقفة وهمسة، وكلّ لحظة صدق على المسرح، ستتكرّر أمام الجمهور في عروض أخرى قريبًا.


الرّكض مسار للنّجاة

بين المسرح، الأمومة، والتعليم، أضافت أسيل للمشهد وجهًا جديدًا: الماراتون.


الركض، بالنسبة لها، لم يكن رياضة جسديّة فحسب، بل مسارًا للنّجاة ومصدرًا لتجدّد إبداعها. أرادت أن تكون مثالًا لأولادها على المثابرة وتوزيع الطّاقة في أكثر من مجال، فمزجت الفن بالرّياضة والعائلة والتّعليم، لتكون المرأة القويّة، القادرة والمستقلّة.