القاضي أنطوان الناشف

استقلالية السلطة القضائية

3 دقائق للقراءة

تتعثر التشكيلات القضائية في كثير من الأحيان بسبب إصرار جهات سياسية على تعيين قاضٍ في منصب معين ورفض جهات الأمر علمًا أن هذا التعيين يخالف أحد المبادئ الاساسية لاستقلالية القضاء وهو احترام مبدأ المساواة بين القضاة الموجودين في الوضعية نفسها.


عرّفت الأمم المتحدة مفهوم استقلالية القضاء كما يلي:

يكمن مفهوم استقلالية القضاء، بقدرة كل قاضٍ على اتخاذ قراره أو حكمه في الدعاوى والنزاعات المعروضة عليه بعدالة وحياد، من دون تدخل جهات خارجية، أكانت من قضاة أو من أشخاص أو مؤسسات، مهما على شأنهم. ويعني أيضًا أن يرعى مجلس قضاء أعلى شؤون القضاة والمحاكم ويحمي مصالحهم واستقلاليتهم ويعززها، وأن يكون بدوره مستقلًا عن التدخلات من أية جهة.


كما تحدد الأمم المتحدة الضمانات المطلوبة لتحقيق استقلالية القضاء بأنها :

1 - تعيين القضاة وفق معايير الكفاءة والنزاهة.

2 - توفير ضمانات تتعلق بالترقيات وبالمناقلات والتشكيلات وحمايتهم من أي تعسف في إنزال العقوبات بهم، مع اخضاعهم لآليات التفتيش والتأديب المناسبة.

4 - للقضاة أن يمارسوا حريتهم في التعبير وإنشاء جمعيات وفق المعايير الدولية.


حدد المجلس الدستوري في اجتهادات مفهوم استقلالية القضاء:

1 - يجب مراجعة وتعديل القوانين التي تنظم عمل القضاء بكل أنواعه للوصول للاستقلالية المنشودة، ويعني ذلك كلًا من القضاء العدلي، والمجلس الدستوري، ومجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة والمحاكم العسكرية. وهذه التعديلات تشمل على الأخص عضوية مجلس القضاء الأعلى وصلاحياته، وكيفية تشكيل المجلس، وطريقة عمله.

2 -عملًا بمبدأ فصل السلطات، لا يجوز للمشرّع إجراء رقابة على أحكام القضاء "أو أن يوجّه إليه الأوامر أو التّعليمات أو أن يحلّ محلّه في الحكم في النزاعات التي تدخل في اختصاصه". ووفقًا للمبدأ نفسه فإنه ليس لأي قانون أو عمل إداري التدخل بعمل القضاء "سواء برفع يده عن قضيّة عالقة أمامه أو إلزامه بإعادة النظر في قضية سبق ونظرها، أو إقرار صلاحياته حيالها، أو إلغاء أحكام قضائيّة مبرمة"، وصولًا إلى إبطال المادة المذكورة من القانون.

3 - يقتضي احترام مبدأ المساواة بين القضاة المتواجدين في الوضعية نفسها. ومن شأن هذا المبدأ أن يشكل ضابطًا ضدّ أي ممارسات تمييزية نظرًا لتأثير هذه الممارسات مباشرة على مبدأ استقلالية القضاة.

4 – إن انتخاب أعضاء المجلس الأعلى من أقرانهم يعتبر بحسب المعايير الدولية إحدى ضمانات استقلالية القضاء الأعلى وأحد أوجه الإصلاح القضائي الذي لحظته وثيقة الوفاق الوطني 1989.

5 - إن كيفية تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى لا تتم من قبل مجلس الوزراء على أساس المادة 65 من الدستور وفق القواعد المحددة في تعيينات الموظفين العامين إنما وفق أصول مختلفة عملًا بمعايير استقلالية القضاء على أساس المادة 20 من الدستور.

6 - إن واجب استطلاع المجلس الأعلى هو تكريسٌ للضمانة القضائيّة المكتوبة في المادة 20 من الدستور وأيضًا لمبدأ الفصل بين السلطات.


ويبقى التشديد على أن أي قانون يتعلق باستقلالية السلطة القضائية يجب أن يتقيد بالمبادئ والضمانات المحددة أعلاه كي لا يكون عرضة للإبطال مع الإشارة إلى أن القراءة الأولية لقانون استقلالية السلطة القضائية الصادر مؤخرًا تثبت التزامه بالمبادئ مع التمني أن يكون التطبيق خاليًا من أي عقبات سياسية تعيدنا إلى الماضي الذي لم يكن مثالًا يحتذى به.