زائدة الكنج الدندشي

البوتوكس والفيلر بين الجمال والتصالح: رحلة معقّدة نحو المثالية

4 دقائق للقراءة
في بعض الحالات يكون البوتوكس والفيلر أداة لتعزيز الثقة

في عالمنا المعاصر، تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا اليومية وتنشر فيها ثقافة الجمال المثالي، أصبح اللجوء إلى التجميل غير الجراحي، مثل البوتوكس والفيلر، ظاهرة منتشرة بين الأفراد. هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على النساء فقط، بل امتدّت لتشمل الرجال أيضًا، الذين يسعون جميعًا لتجديد مظهرهم، سواء بدافع الرغبة في تحسين الذات أو لمواكبة معايير الجمال الحديثة. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تعكس هذه الظاهرة هوسًا بالكمال، أم هي مجرّد رغبة في التجديد؟ أم أنّ وراءها دوافع أعمق تتعلّق بالثقة بالنفس؟


تقول أخصائية الجلد الدكتورة كارولين رزق لـ "نداء الوطن": "إن أبرز الأسباب التي تدفع النساء (والرجال أحيانًا) للجوء إلى التجميل متنوّعة ومعقّدة. البعض يلجأ للبوتوكس بدافع "الرغبة في التجديد" ومواكبة العمر بشيء من اللمسة الجمالية الخفيفة. آخرون قد يكون لديهم بالفعل هاجس بالمظهر المثالي، وهو ما قد يصل إلى اضطرابات كـ "اضطراب تشوّه صورة الجسد". كما أن تراجع الثقة بالنفس، خاصة بعد تغييرات حياتية (مثل الطلاق، التقدّم في السن، أو حتى تغيّر بيئة العمل)، يدفع الكثيرين لاستخدام التجميل كوسيلة للشعور بالتحكّم. من النادر أن يكون السبب واحدًا فقط؛ عادةً ما يكون مزيجًا من الدوافع النفسيّة والاجتماعيّة".


وحول دور وسائل التواصل الاجتماعي، والفلاتر تحديدًا، في رسم "نموذج موحّد" للجمال دفع الناس نحو البوتوكس والفيلر تقول رزق: "لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا، لا سيّما من خلال الفلاتر التي تخلق "نسخة محسّنة ومفلترة" من الملامح. هذه الصورة المثالية الزائفة أصبحت معيارًا للكثيرين، ما جعلهم يرغبون في تقليدها على أرض الواقع. التحدّي هنا أنّ الجمال الرقمي أصبح أحيانًا أكثر تأثيرًا من الجمال الحقيقيّ، ما خلق ضغطًا نفسيًّا، خاصة على المراهقين والشباب، لتحقيق هذا الشكل "المصقول". هذا النموذج الموحّد أضعف التنوّع الطبيعي في ملامح البشر، وكرّس فكرة أنّ الجمال يجب أن يتبع نمطًا معيّنًا".


وبسؤالها هل يمكن اعتبار الفيلر أداة لتعزيز التصالح مع الذات؟ أم أنه يعزّز السعي المستمرّ لتغيير المظهر وبالتالي يكرّس عدم الرضى؟


تشرح رزق أنّ ذلك "يعتمد على الدافع والخلفية النفسية. في بعض الحالات، يكون البوتوكس والفيلر أداة لتعزيز الثقة وتحقيق نوع من التوازن بين الداخل والخارج. عندما يُستخدم باعتدال وبدافع صحّي، يمكن أن يُشعر الشخص بالارتياح. لكن في حالات أخرى، يصبح البوتوكس جزءًا من دائرة لا تنتهي من السعي نحو التغيير، ما قد يؤدي إلى عدم الرضى المزمن. المفارقة أنّ ما يبدأ كتصالح، قد يتحوّل إلى حالة دائمة من التحسين القهري".


أما في ما يخصّ الزبائن الذين يطلبون تغييرات كبيرة لا تتناسب مع ملامحهم الطبيعية تقول رزق: "هناك حدود أخلاقية صارمة في مهنة الطب التجميلي. الطبيب المسؤول لا يوافق تلقائيًا على كلّ طلب، بل يُفترض أن يكون مرشدًا لا منفّذًا فقط. عندما يطلب أحدهم شيئًا مفرطًا أو لا يتناسب مع طبيعته الجسدية أو النفسيّة، يتمّ فتح حوار صريح حول الدوافع والنتائج المتوقعة. أحيانًا يتمّ رفض الطلب صراحة إذا كان هناك احتمال أن يؤدّي إلى نتائج سلبية، جسديًا أو نفسيًا. بعض المراكز المرموقة تُحيل هؤلاء الأشخاص إلى استشارة نفسية إذا لاحظت اضطرابًا في صورة الذات".


وتختم رزق، "لاحظنا في السنوات الأخيرة ازدياد الإقبال من فئات عمرية أصغر، حتى في أوائل العشرينات. كثير من هؤلاء يطلبون البوتوكس "الوقائي" قبل ظهور التجاعيد، وهو توجّه مثير للجدل. هذا التغيّر مردّه إلى التأثيرات الاجتماعيّة (خصوصًا السوشيال ميديا) والرغبة في الحفاظ على مظهر "شاب ومثالي" منذ سن مبكرة. كما تلعب ثقافة "الإنفلونسرز" دورًا في تسويق هذا النمط وكأنه روتين عناية عادي، وليس إجراءً طبيًا.