لم تكن أزمة السيادة في لبنان وليدة السنوات الأخيرة، بل لها جذور تعود إلى أواخر ستينات القرن الماضي، حين جرى التوقيع على اتفاق القاهرة عام 1969 بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية برعاية الرئيس المصري جمال عبد الناصر. جاء الاتفاق نتيجة تراكم المواجهات بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين في المخيمات، وتصاعد العمليات الفدائية عبر الحدود الجنوبية ضد إسرائيل، وما تبعها من اشتباكات دامية هزّت الداخل اللبناني. وفي خضم هذه الأجواء، وقف رئيس الحكومة آنذاك عبد الله اليافي على شرفة السراي ليعلن تأييده المطلق غير المشروط للعمل الفدائي، بل واستعداده لمساعدته بالسلاح، ما أضفى غطاءً سياسيًا علنيًا على وجود قوة مسلحة خارج سلطة الدولة.
نصّ الاتفاق على منح الفصائل الفلسطينية حرية العمل المسلح انطلاقًا من الأراضي اللبنانية، وتنظيم وجودها داخل المخيمات بما يتيح لها إدارة شؤونها الأمنية والعسكرية بمعزل عن سلطة الدولة. كما أقرّ بحق هذه الفصائل في استخدام مناطق محددة في الجنوب كنقاط انطلاق لعملياتها. عمليًا، أدى ذلك إلى إقامة سلطة مسلحة موازية لسلطة الدولة، لها قرارها المستقل، وقواعدها، وخطوط إمدادها، من دون أن تخضع للجيش أو للقوانين اللبنانية.
هذا التنازل كان بمثابة الضربة الأولى لاحتكار الدولة للسلاح، وفتح الباب أمام تحويل لبنان إلى ساحة صراع إقليمي بالوكالة. ومع مرور الوقت، تحوّل الجنوب وبعض المخيمات إلى مناطق خارجة عن السيطرة، وأصبحت سيادة الدولة منقوصة، فيما دخلت أطراف لبنانية في تحالفات أو مواجهات مع الوجود الفلسطيني، ما عمّق الانقسام الداخلي وصولًا إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.
بعد أكثر من نصف قرن، وفي ظل أزمات سياسية وأمنية متراكمة، جاءت قرارات مجلس الوزراء في 5 و7 آب 2025 لتشكّل لحظة معاكسة لذلك المسار التاريخي. ففي 5 آب، كُلّف الجيش بوضع خطة شاملة لاستعادة احتكار السلاح على كامل الأراضي اللبنانية. وفي 7 آب، أقرّ المجلس "أهداف" خطة المبعوث الأميركي توم براك، والتي تضمنت إنهاء أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، بما في ذلك ترسانة "حزب الله"، وضبط الحدود واستعادة القرار الأمني السيادي.
ردود الفعل على القرارين انقسمت بشكل حاد: بعض الصحف اللبنانية وصفت الخطوة بأنها شجاعة تاريخية وفرصة نادرة لإعادة بناء الدولة، فيما اعتبرتها أطراف أخرى انقلابًا على التوازنات الداخلية واستجابة لإملاءات خارجية. مشهد انسحاب الوزراء الشيعة من جلسة 7 آب كان مؤشرًا إلى أن الخلاف حول مفهوم السيادة لا يزال عميقًا، وأن استعادة القرار الأمني ستصطدم بعوائق سياسية وطائفية كبرى.
من يقف اليوم ضد قرارات 5 و7 آب، عليه أن ينظر في المرآة ويرى نفسه امتدادًا لمسار سقوط الدولة منذ العام 1969بمنح الشرعية لقوة مسلحة خارج الدولة. الفرق أن تلك القوة كانت فلسطينية، واليوم هي لبنانية بالهوية ولكن إيرانية بالولاء، تفرض شروطها على القرار الوطني.
لقد دفع لبنان نصف قرن من الدم والانقسام والانهيار ثمن ذلك الانحناء الأول، حين تنازلت الدولة عن احتكارها للسلاح. وأي تراجع اليوم عن مسار استعادة السيادة، هو خيانة صريحة للتاريخ، ولدماء اللبنانيين الذين دفعوا ثمن "سلاح المقاومة" في كل مرحلة.
الفرصة التي يتيحها آب 2025 قد لا تتكرر. إما أن تلتقطها الدولة وتكسر الحلقة الجهنمية التي بدأت في القاهرة قبل 56 عاماً، أو أن يستمر النزيف، ويُكتب في دفاتر التاريخ أننا لم نتعلم شيئًا من ماضينا، وأننا أضعنا آخر فرصة لإنقاذ لبنان كدولة، لا كجمهورية فصائل وساحات.