في عالم تتقاطع فيه اللغات وتتلاقى الثقافات، تبقى الترجمة بوّابة العبور الأوسع نحو الفهم المشترك والتواصل الإنساني. فهي ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي فنّ الحفاظ على روح النَّص ونبض فكرته، كما تصفه المترجمة سارة شيبان في حديثها لـ "نداء الوطن"، مؤكّدةً أنّ الأمانة في الترجمة هي الحارس الأمين للأفكار، وأنّ التحدّيات التي يواجهها المترجمون، خاصة عند التعامل مع المعاني الثقافية العميقة، تجعل من هذه المهنة رحلة بحث دؤوبة وشيّقة في آن.
تقول شيبان إنّ أثر الترجمة على نقل الأفكار والثقافات بين الشعوب المختلفة، يظهر جليًّا. إذ "طالما لعبت الترجمة دورًا هامًا في شتى المجالات، فكانت جسر الوصل بين الثقافات، والدّرب الأول للتبادل المعرفي منذ بدء الحضارات. والأمانة في الترجمة هي الجندي الذي يحرس الأفكار والمعنى".
وحول التحدّيات التي يواجهها المترجم عند نقل نصوص تحمل معاني ثقافية أو تاريخية عميقة تقول شيبان: "الصعوبة هي في التعامل مع المفردات أو التعابير التي لا تملك نظيرًا مباشرًا لها في اللغة المستهدَفة. فأضطرّ أحيانًا إلى صياغة كلمة جديدة تنقل المعنى بأصالته، وهو تحدّ يتطلّب بحثًا معمَّقًا وفهمًا للسياق التاريخي والثقافي للنَّص... لكنه تحدٍ ممتع".
أما عن تعاملها مع الكلمات أو التعابير التي لا مكافئ دقيقًا لها في اللغة المستهدَفة، فتشرح شيبان أنّ "لدينا عدّة استراتيجيات، أهمّها: الترجمة الوصفيّة، أي شرح المفهوم الثقافي للكلمة داخل النص، والترجمة الحَرفيّة مع الشرح، أي إبقاء الكلمة كما هي ثم شرح معناها في الهامش أو داخل النص، والاستعانة بمكافئ ثقافي، أي استبدال التعبير بما يقابله ثقافيًا في اللغة المنقول إليها.
واختيار الاستراتيجية يعتمد على: نوع النص، والجمهور المستهدف، وإن كان الهدف من الترجمة نقل المعنى الدقيق أم الإحساس العام".
وبسؤال شيبان: هل يمكن للترجمة أن تلعب دورًا في تعزيز التفاهم والسلام بين الحضارات ولماذا؟ تجيب: "بالطبع نعم، وهذا يصبّ في صميم جوهر الترجمة منذ أن بدأ البشر يتبادلون الحكايات والعلوم عبر اللّغات، ويظهر في عدة مستويات منها إزالة الحواجز الثقافيّة، فتح باب الحوار، ومحاربة سوء الفهم ما يحلّ الكثير من النزاعات أو يحمينا منها".
وبما أنّ لكلّ عصر أدوات تغيّرت مع تطوّر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت تؤثّر هذه التغيّرات على جودة الترجمة، تشرح شيبان أنّ "ما حدث يُعتبر ثورة في أدوات وأساليب الترجمة. لكن أثر الذكاء الاصطناعي على الجودة يعتمد كثيرًا على طريقة استخدامنا له ووعينا كمترجمين".
وبتعدّد الترجمات من الحَرفيّة إلى التفسيريّة التي تركّز على نقل المعنى والسياق، تختم شيبان: "طبيعة النَّص تحدّد الطريقة الأنسب لترجمته. فالنصوص القانونيّة والتقنيّة مثلًا، تحتاج ترجمة حرفيّة بِقدر عال. بينما النّصوص الأدبيّة والإبداعية تتطلب طريقة تفسيريّة أو حرّة لنقل المعنى والسياق وروح النص. أما النصوص الفلسفيّة فتحتاج الطريقتَين. لكنني أحرص دائمًا على أن أنقل معنى النص الأصلي بدقة وأمانة، فالأمانة هي الأساس في الترجمة".