تعالت في الأيام الأخيرة بعض الأصوات المحسوبة على محور الممانعة، منددة باستدعاء وزير الخارجية اللبناني للسفير الإيراني ورفضه التدخل الإيراني في الشأن اللبناني، في غمزٍ من قناة عدم اعتراضه على تصريحات القادة أو الموفدين العرب والدوليين. هذه المقارنة التي يحاولون فرضها، تغفل الفارق الجوهري بين طبيعة تعاطي الدول الصديقة للبنان وتعاطي إيران.
أولاً: الدول الصديقة، عربية أو دولية، تتعامل حصراً مع مؤسسات الدولة اللبنانية الشرعية، أي الحكومة التي نالت ثقة مجلس النواب، والرئيس المنتخب من هذا المجلس. وهي تطرح مبادرات وأفكاراً في إطار التعاون مع هذه المؤسسات، وتخاطب لبنان كدولة ذات سيادة، لا كأرض نفوذ. على النقيض، إيران تتجاوز الدولة اللبنانية بالكامل، وتتواصل مباشرة مع ميليشيا مسلحة خارجة عن القانون، تدعمها بالسلاح والمال، وقد استخدم هذا السلاح في أكثر من محطة ضد اللبنانيين أنفسهم، ما يشكل خرقاً للسيادة وتهديداً للسلم الأهلي.
ثانياً: الدول الصديقة وقفت مع لبنان في كل محطاته الصعبة، منذ اتفاق الطائف مروراً بمؤتمرات الدعم الاقتصادي مثل "سيدر"، وصولاً إلى دعم القرارات الدولية التي عززت سيادة لبنان، ومنها القرار 1559 الداعي لحل الميليشيات، والقرار 1701 الذي أنهى الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" وثبّت الاستقرار على الحدود. هذه المواقف جاءت دائماً من باب دعم الدولة ومؤسساتها، لا من باب تمكين طرف سياسي أو عسكري على حساب آخر. أما إيران، فترى في "حزب الله" ذراعاً عسكرية وأمنية ضمن مشروعها الإقليمي، وتستخدمه لخدمة صراعاتها مع دول أخرى، وليس لخدمة لبنان.
ثالثاً: العلاقة بين "حزب الله" وإيران هي علاقة عضوية عقائدية قائمة على مبدأ ولاية الفقيه، ما يجعل قرار الحرب والسلم، وتمويل الحزب، وتوجهاته الكبرى، مرهونة مباشرة بطهران. الحزب ينفذ أجندتها الإقليمية دون نقاش أو مراجعة، فيما الدول الصديقة تطرح مبادراتها على الحكومة اللبنانية وتقبل بأن تكون محل نقاش أو رفض إذا تعارضت مع المصلحة الوطنية.
رابعاً: المساعدات التي تقدمها الدول الصديقة للبنان تتسم بالشفافية، وتُصرف عبر قنوات رسمية، وتشمل إعادة إعمار ما دمرته الحروب، ودعم الاقتصاد، وتأهيل البنى التحتية، وخلق فرص عمل، مع ربط الدعم بإصلاحات سياسية وأمنية تعيد للدولة هيبتها. وهي لا تتعامل مع مجموعات مسلحة، بل مع مؤسسات الدولة حصراً. في المقابل، لم تقدم إيران أي دعم فعلي لمؤسسات الدولة، واقتصر دورها على تمويل وتسليح ميليشيا خارج القانون، ما قوض سلطة الدولة وأضعف مؤسساتها.
ختاماً: إنّ الدبلوماسية اللبنانية، بعد سنوات من التراجع، استعادت شيئاً من عافيتها، وبدأت تعمل بجدية على إعادة بناء شبكة علاقات خارجية متوازنة قائمة على مصلحة لبنان الحقيقية، وتعزيز التعاون مع الدول التي تحترم سيادته وشرعيته الدستورية، بعيداً عن المحاور الضيقة والمصالح الفئوية. نحن نعيش في زمن نشهد فيه وزير خارجية حقيقياً لكل اللبنانيين، يعمل لمصلحة لبنان، وبالتالي نفهم التوتر الذي يصيب فريق "حزب الله" الذي لم يعتد يوماً على وزير خارجية لا ينطق بأجندته بالمباشر.