منذ اللحظة التي أعلن فيها عن تعيين علي لاريجاني أمينًا عامًا لمجلس الأمن القومي الإيراني، بات واضحًا أن طهران دخلت مرحلة جديدة في إدارة ملفاتها الإقليمية. فالموقع الذي شغله لاريجاني ليس منصبًا بروتوكوليًا أو إداريًا عادياً، بل هو قلب صناعة القرار الاستراتيجي الإيراني: مجلس الأمن القومي هو الجهة التي ترسم السياسات العليا في ملفات الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، قبل أن ترفعها مباشرة إلى المرشد الأعلى للمصادقة النهائية. بمعنى آخر، أمين عام المجلس هو حلقة الوصل بين أجهزة الدولة ومرجع القرار الأعلى في الجمهورية الإسلامية، وصاحب تأثير مباشر على أولويات إيران الإقليمية.
اختيار العراق ولبنان كأول زيارتين خارجيتين بعد توليه المنصب ليس تفصيلاً عابراً. فهو يعكس بدقة قائمة الأولويات الأمنية التي تضعها طهران أمامها في هذه المرحلة، كما يكشف الرسائل التي تريد إيصالها إلى خصومها وحلفائها على حد سواء.
في العراق، حيث النفوذ الإيراني متجذر في مؤسسات الدولة والأحزاب والفصائل المسلحة، أراد لاريجاني أن يثبت أن مرحلة ما بعد التغيير في القيادة الإيرانية لن تشهد أي تراجع في حجم التدخل أو في مستوى التنسيق الأمني والسياسي. بغداد بالنسبة لطهران هي العمق الاستراتيجي والبوابة الغربية، والحفاظ على استقرار نفوذها هناك شرط أساسي لاستمرار شبكة تحالفاتها الممتدة من طهران إلى المتوسط.
أما في لبنان، فالزيارة تحمل طابعًا أكثر حساسية، لأنها تأتي في لحظة سياسية وأمنية فارقة: القرار الحكومي بحصر السلاح بيد الدولة، والضغوط الدولية المتزايدة لتنفيذ هذا القرار ضمن جدول زمني واضح. هنا، يصبح منصب لاريجاني مفتاحيًا، لأنه الجهة التي تحدد بالتنسيق مع الحرس الثوري ووزارة الخارجية حدود وأشكال الدعم الذي ستقدمه إيران لحزب الله، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الإعلامي.
لكن ما يضيف بعدًا شخصيًا إلى هذه الزيارة هو أن لاريجاني نفسه أحد الناجين من محاولة اغتيال خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة، ما جعله من أكثر الشخصيات المعادية لإسرائيل داخل النظام. هذا الإرث الشخصي ينعكس مباشرة على خطابه السياسي، وعلى استعداده لتصعيد المواجهة مع تل أبيب وأي طرف يعتبره أداة لها، بما في ذلك خصوم حزب الله في الداخل اللبناني.
رسائل لاريجاني إلى بيروت يمكن قراءتها على أكثر من مستوى. الرسالة الأولى موجهة إلى حزب الله نفسه، ومفادها أن طهران تضع الملف اللبناني في صدارة أولوياتها، وأنها مستعدة لتكييف استراتيجيتها الإقليمية بما يضمن بقاء الحزب محتفظًا بسلاحه ونفوذه، حتى لو اقتضى الأمر التصعيد أو الدخول في مواجهات سياسية وأمنية مع الدولة.
الرسالة الثانية موجهة إلى خصوم الحزب في الداخل: أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة أو بضغط خارجي ستواجه برد محسوب ومدعوم إيرانيًا، وأن طهران لن تقف موقف المتفرج إذا شعرت أن ميزان القوى الداخلي بدأ يميل ضد حليفها الأساسي. هذه الرسالة ليست مجرد كلام ديبلوماسي، بل تترجم في استمرار تدفق الدعم اللوجستي والخبراتي، وفي إعادة تفعيل قنوات التنسيق الأمني التي قد تكون خفت وتيرتها في الفترات الماضية.
أما الرسالة الثالثة، فهي للجهات الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا، مفادها أن إيران لا تزال الممسك الفعلي بخيوط الملف اللبناني في ما يتعلق بسلاح حزب الله، وأن أي حل أو تسوية لا تمر عبر طهران مصيره الفشل. هنا يظهر الدور السياسي لمجلس الأمن القومي الإيراني، ليس فقط في صياغة المواقف، بل في إدارتها ميدانيًا من خلال التواصل مع الحلفاء، واختيار توقيت وأدوات الرد على الضغوط الخارجية.
زيارة لاريجاني للبنان لم تكن جولة بروتوكولية، بل إعلان استعداد لخوض معركة مفتوحة دفاعًا عن سلاح حزب الله. فإيران، عبر أقوى رجالها الأمنيين، ترسل إشارة واضحة أن أي محاولة للمساس بقدرة الحزب العسكرية ستُقابل بخيارات تتجاوز الحدود اللبنانية، وقد تمتد إلى جبهات أخرى في الإقليم. هي زيارة تحمل في طياتها نَفَس المواجهة الطويلة، ورسالة إلى كل من يراهن على تراجع قبضة الحزب، بأن طهران مستعدة لتحويل لبنان إلى خط الدفاع الأول في صراعها مع إسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى إدخال البلاد في مواجهة شاملة مع غزو إسرائيلي وحرب أهلية، لتصبح الساحة اللبنانية مجددًا مركز الصراع الأكبر في المنطقة.