زيارة علي لاريجاني إلى بيروت لم تمرّ بهدوء، بل أثارت منذ اللحظة الأولى موجة رفض شعبي وسيادي واسعة، لكونها اعتُبرت تدخلاً مباشراً في الشأن اللبناني، خاصة مع دعمه المعلن لسلاح حزب الله، في وقت تبحث فيه الحكومة ملف هذا السلاح في إطار محاولة استعادة احتكار الدولة للقوة الشرعية. ورغم أن جدول الزيارة يتحدث عن لقاءات مع الرؤساء الثلاثة، فإن الرسائل السياسية التي تحملها تتجاوز البروتوكول إلى تثبيت معادلة إيرانية قديمة – جديدة ترى لبنان ساحة نفوذ لا دولة شريكة في القرار.
منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، لم تُخفِ طهران مشروعها القائم على ما تسميه "تصدير الثورة"، وهو مبدأ نص عليه الدستور الإيراني بوضوح، باعتبار أن الثورة “ليست محصورة بحدود إيران الجغرافية” بل رسالة عابرة للدول، هدفها دعم “المستضعفين” في كل مكان. هذا المفهوم، الذي يبدو في الخطاب الإيراني كأنه بعدٌ ديني أو مثالي، تحوّل عملياً إلى سياسة خارجية أمنية تستند إلى بناء شبكات نفوذ موالية لطهران في عدة ساحات، ومنها لبنان الذي يمثل – بنظر صانعي القرار الإيراني – حلقة أساسية في “محور المقاومة” الممتد من طهران إلى البحر المتوسط. موقع لبنان على حدود إسرائيل، وتعدد مكوناته الطائفية، وتاريخه مع الصراع العربي الإسرائيلي، جعلته بيئة مثالية، من وجهة النظر الإيرانية، لمد النفوذ عبر تنظيم مسلح عقائدي الولاء، يمتلك حضوراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، ويشكّل أداة ضغط في يد طهران بكل مواجهة إقليمية.
تصريحات لاريجاني خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت جاءت لتؤكد هذا النهج؛ إذ أعلن أن “أي قرار بشأن نزع السلاح سيعود في النهاية لحزب الله نفسه” وأن الحزب “ليس بحاجة لوصاية” لأنه بلغ “النضج الفكري والسياسي الكامل”، في إشارة واضحة إلى رفض جعل الدولة اللبنانية المرجعية الوحيدة للسلاح. هذه اللغة السياسية تتقاطع مع مواقف سابقة لقادة الحرس الثوري، مثل حسين سلامي الذي هدد برد “ساحق من محور المقاومة” إذا استهدفت إسرائيل حزب الله، أو تصريحات النائب علي رضا زاكاني التي تباهى فيها بأن “ثلاث عواصم عربية بيد إيران وصنعاء أصبحت الرابعة”، في خطاب يكشف كيف يُنظر إلى بيروت كجزء من جغرافيا النفوذ، لا ككيان مستقل بسيادته.
بهذه المقاربة، تصبح السيادة اللبنانية بالنسبة لطهران مفهوماً قابلاً للتعديل إذا تعارض مع مصالح المحور، وتتحول القرارات الكبرى، في السلم والحرب، إلى ملفات تُحسم عبر قنوات موازية للمؤسسات الرسمية. من هنا، فإن الرفض السيادي والشعبي لهذه الزيارة لا ينطلق فقط من خلاف سياسي مع إيران، بل من إدراك راسخ بأن استمرار هذا النهج يبقي لبنان في وضعية “الدولة المنقوصة السيادة”، حيث تبقى مفاتيح القرار الاستراتيجي خارج حدودها. وما لم يتم حسم مرجعية السلاح لمصلحة الدولة، فإن لبنان سيظل، في نظر طهران، مساحة وظيفية ضمن مشروع أوسع لتصدير الثورة وربط ساحات المنطقة بخيط واحد يمسك طرفه المركز في إيران، حتى ولو كان الثمن تهميش سيادة الدول وتجويف مؤسساتها.
وفي هذا السياق، يصبح موقف وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي الرافض لزيارة علي لاريجاني إلى لبنان مفهوماً ومنطقياً تماماً، فهو ينسجم مع قراءة واقعية لطبيعة المشروع الإيراني، ويدرك أن القبول بهذه الزيارة، في ظل التصريحات والممارسات التي تشرعن تجاوز الدولة، لا يخدم المصلحة الوطنية ولا يعزز السيادة، بل يكرّس لبنان كأداة في صراع إقليمي لا يملك زمام قراره.