وصل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى بيروت في زيارة بدت للوهلة الأولى بروتوكولية، لكنها سرعان ما اكتسبت طابعًا سياسيًا صداميًا. جاءت في لحظة مفصلية يعاد فيها رسم معادلة السيادة في لبنان، لتكشف بوضوح التباين الحاد بين توجه الدولة نحو حصرية السلاح تحت سلطتها، وتمسّك طهران بفرض معادلاتها بشكل مباشر عبر حليفها المسلح.
التوقيت… حيث الحساسية في ذروتها
الزيارة جاءت بعد أيام قليلة من قرار الحكومة اللبنانية اعتماد أهداف الخطة الأميركية التي تنصّ على حصر السلاح بيد الدولة ونزع ترسانة حزب الله قبل نهاية العام، مقابل ترتيبات أمنية، انسحابات إسرائيلية وحوافز إقتصادية. أي أن المناخ السياسي كان في لحظة اشتباك داخلي وإقليمي حاد، حيث انقسم الداخل بين أغلبية مؤيدة لهذا المسار السيادي، ومعارض يرى فيه تهديدًا لمعادلة “المقاومة”.
في هذا المناخ، ظهرت زيارة لاريجاني وكأنها تحدٍ مباشر للقرار الحكومي ورسالة دعم علنية لحزب الله في مواجهة مشروع الدولة، وهو ما جعلها خطأ استراتيجيًا في التوقيت حتى من منظور المصلحة الإيرانية، لأنها وضعت طهران في موقع المواجهة المفتوحة مع الدولة اللبنانية، لا فقط مع خصومها السياسيين.
وزاد من وطأة الخطأ أن الزيارة بدت في حالة تصادم مباشر مع الإجماع العربي–الغربي حول سيادة لبنان، وهو إجماع نادر في سياق الانقسامات الدولية، إذ باتت معظم العواصم العربية والغربية تتبنى موقفًا واحدًا: لا سلاح خارج سلطة الدولة ولا نفوذ أجنبي يفرض قراراته على بيروت.
ويستند هذا الإجماع إلى تحوّلات إقليمية برزت بعد حرب غزة 2023. فقد تبلورت لدى العواصم العربية والغربية، وبالتقاطع مع مطالب القوى السيادية في لبنان، قناعة راسخة بأن استمرار سلاح حزب الله خارج سلطة الدولة لم يعد مجرد قضية داخلية. أصبح الآن عامل تهديد مباشر لاستقرار لبنان والمنطقة، وغطاءً دائمًا لتبرير التوتر المفتوح على الحدود مع إسرائيل.
لكن هذه الصورة الخارجية المتماسكة لم تغيّر حسابات طهران، التي لا تنظر إلى الملف من زاوية الإجماع الدولي أو السيادة اللبنانية، بل من منظور أوراقها التفاوضية الأوسع.
رهينة الانتظار الإيراني
مع قرار الحكومة اللبنانية الأخير، خرج سلاح حزب الله رسميًا من "معادلة التفاهمات" التي كانت تسمح بوجوده كأمر واقع، لكن إيران اختارت عدم التعامل مع هذا التحوّل كمحطة نهائية، بل كملف مؤجَّل.
طهران ترى في السلاح ورقة تفاوض إقليمية لا تتعلق فقط بلبنان، بل بملفاتها الكبرى مع واشنطن والعواصم الغربية، من العقوبات إلى برنامجها النووي. وبالتالي، فإن إبقاء السلاح رهينة الانتظار يمنحها أداة ضغط، لكنه في الوقت نفسه يضع لبنان في حالة شلل سيادي، حيث يبقى قرار الأمن والدفاع مرتبطًا بحسابات خارجية لا صلة لها بالمصلحة الوطنية اللبنانية المباشرة.
هذه المقاربة تجعل بيروت، عمليًا، ساحة تجميد نزاعات بدل أن تكون منصة لحلّها، وتؤخر أي فرصة لبناء توازن داخلي مستقر.
رسائل الدولة اللبنانية… وصدمة الاستقبال
الرئيس جوزيف عون كان واضحًا في لقائه لاريجاني: لا جماعات مسلحة خارج سلطة الدولة، ولبنان يرفض أي تدخل خارجي في شؤونه، والصداقة مع إيران – أو غيرها – يجب أن تكون على قاعدة شاملة لجميع اللبنانيين، لا أداة لتعزيز سطوة طرف على آخر.
هذه الرسائل، وإن صيغت بلغة دبلوماسية، شكّلت صفعة سياسية ناعمة، مفادها أن زمن "التفاهم الضمني" مع طهران حول شرعية السلاح بدأ يتآكل، وأن بيروت الرسمية تريد إعادة تعريف العلاقة بما يتوافق مع أولوياتها السيادية.
تداعيات الزيارة على الداخل والخارج
حاولت إيران عبر لاريجاني إظهار التزامها بدعم "المقاومة" ونفي أي تدخل مباشر. لكنها في الواقع عززت الانطباع بأنها اللاعب الخارجي الأكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد اللبناني. هذا الانطباع وفر لخصومها مادة سياسية وإعلامية إضافية لتبرير التعجيل بتنفيذ خطة نزع السلاح. وبدل أن يستفيد حزب الله من مساحة زمنية لمراجعة مواقفه أو صياغة شروطه التفاوضية، وجد نفسه تحت ضغط صورة علنية تربطه بالكامل بأجندة إيرانية، ما زاد من حدة الانقسام الداخلي. كما حملت الزيارة رسالة واضحة بأن إيران هي المقرِّر الأساسي والأخير في ملف السلاح، وأنها اليوم تدير حزب الله وقراراته بشكل مباشر، من دون أن تترك له أي هامش لاتخاذ قرار لبناني مستقل.
زاد من وطأة هذا المشهد أن الزيارة جاءت في لحظة كان فيها لبنان يسعى لإعادة ترميم موقعه التفاوضي إقليميًا ودوليًا عبر الخطة الأميركية. أي إشارة إلى انحياز علني لطهران في هذا التوقيت تضعف قدرة بيروت على حشد الدعم العربي والغربي. كما تمنح إسرائيل وحلفاءها حججًا جاهزة لعرقلة الترتيبات الأمنية أو فرض شروط أشد قسوة. بهذا المعنى، لم يقتصر أثر الزيارة على صورة إيران في لبنان، بل طال مباشرة موقع بيروت التفاوضي. كما أضعف قدرتها على استثمار الإجماع الدولي النادر لصالحها في ملف السيادة. وهو أثر مرشح للتفاقم إذا ما جرى عرقلة قرار الحكومة بحصر السلاح بيد الدولة.
التوقيت والخطاب
التاريخ السياسي اللبناني حافل بالأمثلة على أن التوقيت والخطاب قد يبدلان كليًا في النتائج: زيارة لاريجاني في لحظة هدوء نسبي كانت قد تُقرأ كإشارة دعم لعلاقات ثنائية متوازنة، أما في ذروة صراع داخلي حول سلاح حزب الله، فهي تحوّلت إلى قرينة اتهام وتأكيد على عمق الانقسام. هذا الخطأ في الحسابات أضرّ بصورة طهران لدى شريحة أوسع من الرأي العام اللبناني، بما في ذلك قوى كانت تميل إلى الحياد في ملف السلاح.
في المحصلة، لم تكن زيارة لاريجاني إلى بيروت مجرد نشاط دبلوماسي، بل حدثًا سياسيًا سلبي الأثر على مسار العلاقة اللبنانية–الإيرانية في المدى المنظور. هي مثال حي على كيف يمكن لخطوة محسوبة على الورق أن تتحوّل إلى ورقة ضغط ضد صاحبها إذا أُهمل عنصر التوقيت وحساسية الظرف الداخلي.
في لحظة تعيد فيها بيروت رسم حدود سيادتها، بدت طهران – عبر هذه الزيارة – كمن يفضّل إرسال رسالة تحدٍ، لكنها على الأرجح ستجد نفسها مضطرة لاحقًا لإعادة صياغة خطابها وأدواتها إذا أرادت الحفاظ على أي نفوذ مستدام في لبنان.
وعلى المستوى الأعمق، أكدت الزيارة أن طهران ما زالت تقرأ لبنان بعين مصالحها، لا بعيون اللبنانيين.