د. بولا أبي حنا

الدعاية السياسية في لبنان: "اكذب حتى يصدقوك"

5 دقائق للقراءة

 مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في لبنان، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: كيف يمكن للمواطن أن يمارس حقه الديمقراطي بموضوعية في ظل طوفان الدعاية السياسية وخطاب الكراهية؟ إنّ الدعاية ليست أداة هامشية في العملية السياسية، بل هي عنصر بنيوي يؤثّر في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، بحيث تصبح الوسيلة التي من خلالها تُصاغ الحقائق وتُقدّم للجمهور. وفي بلد مثل لبنان، الذي وصفه كمال صليبي في كتابه الشهير A House of Many Mansions (1988)  بأنّه "بيت بمنازل كثيرة"، تزداد خطورة هذا الدور، إذ تتحوّل الدعاية إلى سلاح يكرّس الانقسام بدل أن يثري التعددية.


الدعاية: من غوبلز إلى الصحّاف

من الصعب فهم طبيعة الدعاية السياسية دون العودة إلى التاريخ. فقد اشتهر وزير الدعاية النازية جوزف غوبلز (Joseph Goebbels)  بمقولته الشهيرة:  "اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، التي لخّصت فلسفة البروباغندا النازية القائمة على التكرار حتى ترسخ الكذبة كحقيقة  (Herf, 2006).  المثال الثاني يأتي من العالم العربي، وتحديدًا من العراق عام 2003، حين قدّم وزير الإعلام محمد سعيد الصحّاف مشهدًا مثاليًا للدعاية السياسية في زمن الحرب. ففي الوقت الذي كانت فيه القوات الأميركية تدخل بغداد، خرج الصحّاف ليقول عبارته الشهيرة: "إنهم ينتحرون على أسوار بغداد". المفارقة بين الواقع والقول لم تكن مجرّد خطأ، بل انعكاس لمنطق الدعاية التي تصنع "حقيقة بديلة".


هاتان التجربتان التاريخيتان تعكسان خطورة تأثير الكلمة والصورة على الجماهير. فالجمهور غالبًا ما يتأثر بما يُبثّ عبر حواسه، أكثر من اعتماده على التحليل النقدي أو البحث الموضوعي. وهذا ما يجعل من الدعاية أداة قادرة على صناعة واقع موازٍ، يتحول تدريجيًا إلى قناعة جماعية.


لبنان والدعاية السياسية: بيت بمنازل كثيرة

إذا أسقطنا هذه المعطيات على الواقع اللبناني، نجد أن الدعاية تتخذ شكلًا أكثر تعقيدًا. فلبنان، كما وصفه صليبي، "بيت بمنازل كثيرة" حيث يعيش مواطنون متعددو الانتماءات الطائفية والحزبية (Salibi, 1988). هذا التعدد الذي كان يمكن أن يشكّل مصدر غنى حضاري وثقافي، تحوّل إلى أرض خصبة لتغذية الدعاية الحزبية والطائفية. كل حزب يسعى إلى تكريس صورة معينة عن ذاته وعن "الآخر"، فيقدّم نفسه كحامي الطائفة والهوية، بينما يشيطن خصومه بوصفهم تهديدًا وجوديًا.


وبدل أن تكون الانتخابات مناسبة لعرض برامج سياسية واضحة، تتحول إلى ساحة استعراض شعارات عاطفية. المواطن يجد نفسه أمام سرديات مشحونة بالعواطف، تُقدَّم على شكل حقائق، فيصدقها دون أن يملك الوقت أو القدرة على تحليلها بعمق. هنا يكمن خطر الانزلاق إلى خطاب الكراهية الذي يعمّق الانقسام ويفتح الباب أمام دوامة العنف اللفظي والسياسي.


خطاب الكراهية: حين تتحول السياسة إلى صراع وجودي

خطاب الكراهية في لبنان ليس وليد اليوم. فمنذ عقود، يستخدم الساسة لغة تقسيمية تقوم على "نحن" مقابل "هم"، "الأنا" مقابل "الآخر". هذا الخطاب، حين يُغذَّى بالدعاية، لا يكتفي بتأجيج الانقسام السياسي، بل يهدد السلم الاجتماعي برمّته. فالمواطن يتشرّب الرسائل التي تُقدَّم له عبر الشاشات والمنصات، فيقتنع أن خصمه الداخلي أخطر من أي تهديد خارجي.


المشكلة هنا أنّ الكثير من اللبنانيين يتأثرون بما يرونه ويسمعونه، لا بما يقرأونه أو يحلّلونه. الرأي العام يصبح انعكاسًا للتكرار الإعلامي، وللغة الجسد الشعبوية التي يتقنها الزعماء. ومن هنا تأتي أهمية التذكير بأن الزعيم ليس دائمًا على حق، وأنّ الأكاذيب التي تُطلق جزافًا قد تتحول إلى "حقائق" إذا لم تُواجه بوعي نقدي جماعي.


العوامل الخارجية واللوبيات

لا يمكن فهم الدعاية في لبنان بمعزل عن السياق الخارجي. فالسياسات الإقليمية والدولية تضغط بشكل مباشر أو غير مباشر عبر أدوات إعلامية ومالية وسياسية، لتوجيه الرأي العام وتكييفه مع مصالحها. وهنا يبرز مفهوم اللوبيات (Lobbies): وهي مجموعات ضغط منظمة تعمل للتأثير على القرارات السياسية لصالح مصالحها. في لبنان، حيث الانقسام الداخلي مفتوح على مصراعيه، تصبح الدعاية السياسية انعكاسًا لصراعات اللوبيات الإقليمية والدولية، أكثر منها انعكاسًا لحاجات الداخل.


كما يؤكد نعوم تشومسكي (1997)، "الدعاية بالنسبة للديمقراطية هي ما يعادل العنف بالنسبة للأنظمة الاستبدادية". هذه المقولة تضعنا أمام معضلة أساسية: ما دامت اللوبيات الخارجية تؤثر في صناعة الرأي العام، فهل يمكن للبنان أن يصل إلى انتخابات حرة فعلًا، أم أنّ النتيجة محسومة سلفًا ضمن لعبة أكبر من إرادة الناخب الفرد؟


نحو وعي ديمقراطي جديد


رغم صعوبة الواقع، يبقى الرهان على المواطن نفسه. المطلوب ليس فقط رفض الكذب، بل أيضًا التحرر من الإعتقاد بأنّ الزعيم دائمًا على حق، أو أنّ الانتماء الطائفي مقدّم على المصلحة العامة. المطلوب أن يمارس الناخب حقه الديمقراطي بموضوعية، بعيدًا عن القرارات المعلّبة وعن الفهم الخاطئ الذي يجعلنا نرى أنفسنا دائمًا الأفضل ونعتبر الآخر عدوًا.


لكن هذا المسار ليس سهلًا. ففي ظل ما يُسمّى بـ"الدولة العميقة"، وفي ظل غياب مفهوم الدولة الجامعة، يصبح السعي إلى وعي ديمقراطي جديد مهمة شاقة. ومع ذلك، لا بد من التمسك بالأمل، لعل وعسى يتمكن اللبنانيون هذه المرة من تجاوز خطاب الكراهية والدعاية المضلِّلة، والذهاب إلى صناديق الاقتراع بخيار واعٍ ومسؤول. وإلّا يبقى السؤال معلقًا: على من تُقرأ المزامير في وطن يرفض أن يسمع إلا صدى شعاراته؟

 


أستاذة جامعية