ايلي الياس

الضاحية شاهد حيّ: لا حياة مع حزب الله

4 دقائق للقراءة

أطلّ الأمين العام لـ "حزب الله"، نعيم قاسم، في خطاب سياسي تحوّل إلى تهديد فجّ موجَّه للحكومة والشعب اللبناني على حد سواء. إذ قال بوضوح: "إذا سحبت الدولة سلاح الحزب فلن تكون هناك حياة في لبنان". جملة قصيرة لكنها تحمل دلالات عميقة وخطيرة: اختزال لبنان كلّه بسلاح "حزب الله"، وجعل بقاء الوطن ومصيره مرهونًا بقرار حزبي لا بقرار الدولة. كان قاسم يريد أن يوصل رسالة ردع للحكومة، لكنه في الواقع عرّى جوهر معادلة "حزب الله" منذ نشأته: الدولة لا قيمة لها، المجتمع لا وزن له، المؤسسات مجرد ديكور، والحياة نفسها مجرّد رهينة في يد من يحمل السلاح.



لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل للبنان اليوم حياة فعلية حتى يهدد قاسم بزوالها؟ أي حياة يمكن أن نتحدث عنها في بلد اقتصاده منهار، عملته فقدت أكثر من 95 % من قيمتها، قطاعاته الحيوية مشلولة، البنى التحتية منهارة، الكهرباء معدومة، والبطالة والهجرة تنهشان شبابه؟ أي حياة في بلد يعجز عن انتخاب رئيس منذ سنوات، وتتقاذفه الأزمات السياسية ككرة نار، وتُعطَّل حكومته بقرار حزبي كلما اقتضت الحاجة؟ أليس هذا كله موتًا سريريًا للدولة؟ حين يقول قاسم إن الحياة ستزول إذا رُفع السلاح، فهو يتجاهل أن اللبنانيين اليوم يعيشون بالفعل موتًا بطيئًا تحت وطأة هذا السلاح، وأن أي فرصة لبعث حياة جديدة لا يمكن أن تتحقق إلا بتفكيك معادلة "المقاومة فوق الدولة".



النموذج الأكثر وضوحًا على زيف مقولة "الحياة" هو الضاحية الجنوبية. فالمنطقة التي يصوّرها حزب الله كـ "عاصمة المقاومة" و"حاضنة الانتصارات" تعكس واقعًا بائسًا يكشف مصير لبنان إذا استسلم بالكامل لسيطرة "الحزب". الضاحية تحولت منذ منتصف الثمانينات إلى دويلة قائمة بذاتها، لها اقتصادها الموازي، وأمنها الخاص، وخدماتها الحزبية، وثقافتها الموجهة. لكن خلف هذه الواجهة الأيديولوجية، يكمن واقع اجتماعي واقتصادي مأسوي. شوارع ضيقة مكتظة بالبشر والسيارات، بنايات إسمنتية متلاصقة بلا أي رؤية عمرانية، أحياء محرومة من أبسط مقومات الراحة العامة، لا حدائق ولا مساحات خضراء، لا شبكات صرف صحي ملائمة، ولا كهرباء مستقرة. الخدمات الأساسية تُدار بمنطق المحسوبيات الحزبية: من يريد دواءً أو مقعدًا في مستشفى أو فرصة عمل، يلجأ إلى مكتب الخدمات التابع لـ "الحزب"، لا إلى مؤسسات الدولة الغائبة.



الاقتصاد في الضاحية يقوم بمعظمه على التهريب والتجارة غير الشرعية، من المحروقات إلى المخدرات. السوق السوداء هي القاعدة، والدولة لا تدخل إلا بحدود ضيقة جدًا، وغالبًا بتنسيق غير معلن مع "الحزب". الفقر والبطالة ينهشان الشباب، ما يفتح الباب أمام تجنيدهم في صفوف "الحزب" أو زجّهم في أعمال هامشية لا تفتح مستقبلًا ولا تخلق أفقًا. ومع كل حرب يخوضها الحزب ضد إسرائيل، تتحول الضاحية إلى ساحة دمار هائل، ليُعاد إعمارها بأموال إيرانية أو قطرية أو غيرها من مصادر الدعم الخارجي، في دورة مدمّرة من الموت والبعث الزائف. هذا ليس نموذج حياة، بل نموذج موت متكرر، مؤجَّل بفعل "الإعمار" لكنه يعيد نفسه مع كل حرب جديدة.



أضف إلى ذلك الطابع الأمني الخانق للمنطقة: كاميرات مراقبة في كل شارع، حواجز حزبية تراقب الداخل والخارج، بيئة اجتماعية خاضعة لرقابة دائمة، حيث يُعتبر أي رأي مخالف خيانة أو تهديدًا للأمن. الحياة اليومية في الضاحية ليست حياة حرّة، بل حياة مؤدلجة، تسير وفق خطاب حزبي صارم يقدّس السلاح ويحوّل أي نقاش حوله إلى "مؤامرة". بهذا المعنى، الضاحية هي المرآة التي تعكس مستقبل لبنان إن استمر تحت سطوة السلاح: بلد بلا دولة، مجتمع بلا حرية، واقتصاد بلا أفق.



الخطير في كلام قاسم أنه ليس مجرد تصريح انفعالي، بل إعادة انتاج لذهنية ابتزاز اللبنانيين التي بدأت منذ اتفاق القاهرة عام 1969، حين فُرض على الدولة اللبنانية التنازل عن سيادتها لصالح السلاح الفلسطيني. يومها قيل إن السلاح يحمي القضية الفلسطينية، واليوم يُقال إن سلاح "حزب الله" يحمي لبنان. لكن النتيجة واحدة: الدولة رهينة، والشعب رهينة، والخيار محصور بين الرضوخ للسلاح أو الدخول في الفوضى. هذا ابتزاز مفضوح، يعكس عقلية تعتبر أن وجود "الحزب" أهم من وجود الوطن نفسه.



الردّ على نعيم قاسم لا يحتاج إلى شعارات كبيرة. الحقيقة المريرة أن لبنان بلا سلاح "الحزب" قد يجد فرصة للحياة الطبيعية: استقرار سياسي، علاقات دولية متوازنة، انفتاح اقتصادي، عودة الاستثمارات، وبداية مسار إصلاح حقيقي. أما لبنان تحت سلاح "الحزب"، فمصيره موت بطيء: انهيار اقتصادي لا ينتهي، عزلة سياسية تزداد يومًا بعد يوم، تفكك اجتماعي يعمّق الانقسام الطائفي، وهجرة مستمرة تحوّل لبنان إلى بلد فارغ من أبنائه. ومن يهدّد اللبنانيين بالموت إن تخلّوا عن سلاحه، هو نفسه من يقتل حياتهم كل يوم بوجود هذا السلاح.