من جديد، يتأخّر لبنان عن ركوب القطار ومواكبة العالم. شركة Starlink تقدّمت بطلب ترخيص منذ ثلاث سنوات، ووزارة الاتصالات فاوضتها طوال هذه الفترة، لكن القرار بالانطلاق ما زال عالقاً في دهاليز السياسة المريضة. لماذا؟ لأننا ما زلنا أسرى سياسة "مراعاة الخواطر"، نخشى أن نُغضِب هذا الطرف أو ذاك. وكأن مستقبل أمة بأكملها يجب أن يُدفن إرضاءً لمصالح ضيّقة ومتشابكة.
المعارضة جاءت من أربعة محاور:
١- حزب الله: بحجّة أن Starlink يعرّض البلد لمخاطر أمنية، وكأن هذه "المخاطر" تختلف عن تلك الموجودة أصلاً مع استعمال الـWhatsApp وسائر التطبيقات اليومية.
٢- حيتان الإنترنت غير الشرعي: الذين نهبوا البلد لعشرات السنين وبنوا شبكة رديئة، وما زالوا يتربّحون على حساب المواطن.
٣- بعض موزّعي الانترنت الذي تمتّع بامتيازات طويلة ولم يستثمر في البنية التحتية، لكنه يطالب اليوم بحصّة من أي مبادرة تقوم بها الدولة وكأنها حق مكتسب.
٤- بعض النواب المستقلين: يعارضون من دون أي سبب وجيه، تارة بذريعة "حماية معلومات اللبنانيين"، وطوراً بحجّة "تطبيق قانون الشراء العام" الذي لا علاقة له بهذا الملف أساساً.
إن Starlink ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية وحاجة ملحّة لبقاء الاقتصاد والمجتمع على قيد الحياة. إذ إنه يساهم في:
. تطوير الأعمال (B2B) يوفّر للشركات استقراراً في الاتصال ويختصر خسائر الانقطاع، ويفتح أسواقاً جديدة.
. خدمة المستهلك (B2C) يضع المواطن أمام إنترنت سريع وآمن، وينهي إذلاله أمام مكاتب الشركات المحتكرة.
. جذب الاستثمارات، حيث المستثمر الأجنبي لا يدخل سوقاً بلا بنية تحتية عصرية، والاتصال الموثوق حجر الزاوية.
. التعليم والعمل عن بُعد، يعني فرص عمل إضافية، شباباً أكثر انفتاحاً، وطلاباً أكثر قدرة على المنافسة.
هذه الخدمة عبر الأقمار الاصطناعية ليست رفاهية، بل Oxygen للبقاء في القرن الحادي والعشرين.
إن إطلاق Starlink هو أول اختبار مباشر أمام أعين اللبنانيين، يلمسون فيه التغيير بأنفسهم. فإذا فشلنا هنا، سنشهد تكرار الأسلوب نفسه الذي اعتمدته مافيا المولّدات حين صادروا الكهرباء وأذلّوا الشعب لعقود. وكما حُرِمنا من النور، سنُحرَم غداً من الإنترنت ومن فرص الحياة الكريمة.
إلى متى الصمت؟
نحن لا نتحدث عن قرار "نزع سلاح" أو مواجهة عسكرية. نتحدث عن إنترنت، عن لقمة العيش، عن مستقبل أبنائنا. فكيف تسمح الحكومة لنفسها أن ترتجف أمام كل مفترق، وتُظهر للشعب والعالم أنها عاجزة حتى عن اتخاذ قرار بسيط يلامس حياة الناس اليومية؟ أهذا ما يسمّى "سيطرة على الأمور" أم أننا مستمرون في الخضوع لنفس اللاعبين الذين دمّروا أحلام اللبنانيين طوال عقود؟
نداء إلى المؤسسات، إلى المصارف، شركات التكنولوجيا، الجامعات، التجار والمصنّعين: أنتم المستفيدون الأوائل من هذه الخدمة. لماذا تصمتون؟ لماذا لا ترفعون الصوت بوجه من يعرقل وصول لبنان إلى المستقبل؟ هل تخشون المواجهة أكثر من خشيتكم على مصالحكم وبقاءكم في السوق؟
إما أن نكسر هذه الحلقة الجهنمية ونفرض التغيير، أو نبقى أسرى الاحتكار وابتزاز حزب يضع مصلحته فوق مصلحة الوطن.
اليوم، لبنان أمام اختبار تاريخي. إما أن نختار التكنولوجيا والانفتاح والفرص، أو نُساق من جديد إلى عصور الظلام والذلّ.
ملف ستارلنك ليس ملفاً عادياً، بل معركة كرامة وطنية بين من يريد للبنان أن يحيا وبين من يريده أن يبقى ميتاً سريرياً.
فليُسجَّل للتاريخ أن من يقف بوجه Starlink يقف بوجه لقمة العيش، بوجه العِلم، بوجه شباب لبنان، بوجه مستقبل وطن كامل.
لبنان يحتاج إلى شجاعة قرار، لا إلى مزيد من التخاذل. الصمت والسكوت مشاركة في الجريمة.
إمّا أن نرفع الصوت اليوم، أو لن يكون لنا غداً ما نرفعه على الإطلاق.
لبنان أولًا، لبنان فقط.