مادة التاريخ وإشكالياتها في لبنان

"قضايا تربوية لبنانية" للدكتور نمر فريحه

8 دقائق للقراءة

مادّة التاريخ التي تُدرَّس في المدرسة أو الجامعة، تُعتبر من المواد الدقيقة والجدليّة لأنها تستعرض ما قام به الناس في الماضي، ولتأكيد هذه الأحداث لا بدّ من اللجوء إلى الوثائق والموجودات الماديّة التي تثبت الحدث. وقد أُدخلت هذه المادّة في مناهج المدارس منذ القِدَم، كما كانت من المواد الأساسيّة التي يدرّسها الكبار لأبناء الحكّام وقادة الجنود.


بالنسبة للبنان، ما زلنا نعتمد على كتب مناهج 1968، لأنّ المناهج التي صدرت عام 1997 لم تتضمّن هذه المادّة. وقد حصلت محاولة عام 2001 بأن أُلِّفَت كتب تاريخ موحّدة لكلّ تلامذة لبنان، لكنّ وزير التربية آنذاك منع توزيعها، ولم تحدث محاولة ثانية سوى هذه السنة بأن شُكّلت لجنة لذلك في "المركز التربوي للبحوث والإنماء". فهل سيأتي يوم ويكون لنا فيه كتاب تاريخ موحّد يتعلّم فيه أولادنا ما حدث في بلدهم ليس من آلاف السنين فقط، بل من عشرين سنة وخمسين سنة؟ هذا النصّ من كتاب "قضايا تربوية لبنانية" الصادر عن "دار سائر المشرق"، هو تجربة شخصية عاشها واضعه الدكتور نمر فريحه، الرئيس السابق لـ "المركز التربوي للبحوث والإنماء"، مع عمليّة تأليف الكتب والتدخّل السلبيّ للوزير، وإحباط المحاولة اليتيمة. 



لماذا التاريخ مادة دراسيّة؟

هناك تبريرات كثيرة لجعل التاريخ مادة دراسيّة تُقدَّم إلى المتعلّمين بغض النظر عن سنّهم. فقد تُقدَّم لطفل في الصف الثاني الأساسي أو لطالب جامعة. إذ إنّ التاريخ هو قصة الماضي، وإذا اعتمدنا مبدأ أن من ليس له ماضٍ ليس له مستقبل، يصبح تدريسها واجبًا اجتماعيًّا ووطنيًّا. فبالرغم من أنّ التاريخ هو دراسة الماضي، لكنّ دوره المهمّ هو في مستقبل الوطن والمجتمع.


وإذا كنّا سنكتب تاريخًا للتلامذة اللبنانيين، كيف لنا أن نتجاهل أحداث 1958، واتفاق القاهرة 1969، وحرب 1975 وتداعياتها، والصراعات التي حدثت بعدها؟ واتفاق الطائف؟ وكيف لا نقدِّم لهم معارف حياديّة قدر الإمكان كي لا نكون نلقّنهم أيديولوجيّاتنا؟ إنها لمهمّة صعبة وتتطلب الكثير من الانتباه والمراقبة والتحليل كي نمنع الآراء الخاصة في التفسير من التسلّل عبر الكلمات.


لقد تضمّن اتفاق الطائف "إعادة النظر في المناهج وتطويرها بما يعزّز الانتماء والانصهار الوطنيَّين، والانفتاح الروحي والثقافي وتوحيد الكتاب في مادتي التاريخ والتربية". وهذا اعتراف على تقصير المناهج والمدارس في تنشئة الأجيال على الانتماء للوطن وعدم الاقتتال في ما بين أفرادها. وقد صدرت مناهج 1997 من دون مناهج مادة التاريخ حيث شاركت أكثر من لجنة في العمل عليه. وطلبتُ إلى اللجنة الأخيرة بألا يكون العمل استنساخًا لمحتوى الكتب الموجودة حيث يتوقّف التاريخ مع الاستقلال، بل علينا تدريس تلامذتنا التاريخ المعاصر والمعاش أيضًا، وألا يكون كتاب التاريخ كناية عن تاريخ الملوك والأمراء والزعماء وحروبهم، بل تاريخ الشعب العادي بلباسه ومسكنه وعاداته وتضحياته، ثم نصل إلى من هم في السلطة لاحقًا. وأُقرّت المناهج بالمرسوم رقم 3175 تاريخ 8-6-2000. اعتُبر الإنجاز تاريخيًّا لأنها المرّة الأولى التي يتولّى فيها "المركز التربوي" حصريًّا وضع كتاب التاريخ الموحّد.


تمّ تشكيل اللجان من متخصّصين في المادة وتدريسها بمعدل أربعة أعضاء لكلّ صف. وكانت التوجيهات العامة للمؤلّفين التمسّك بالحياديّة قدر الإمكان، وألا نخشى مقاربة الحروب الداخلية التي حدثت لأنّ هدفنا سيكون أن يتعلّم أبناؤنا دروسًا منها بدل أن يكرّروها في المستقبل.


بعد أن أُنجز تأليف كتابَين قبل بدء العام الدراسي 2001-2002 للصفَّين الثاني والثالث الأساسيّين، كانت مخطوطات الكتب الباقية شبه جاهزة للطباعة. وطلبنا إلى دار النشر المتعاقدة مع المركز أن تبدأ بالتوزيع. وإذ بالوزير يوقف التوزيع معتبرًا أنّ جملة في الصف الثالث الأساسيّ ضدّ العروبة. هذا في الوقت الذي دقّقت بالكتاب لجنة استشارية من ستة دكاترة تمثّل سائر التيارات، وهي التي أعطت موافقتها على الطباعة والنشر، ومؤلّفة من: د. رضوان السيد، ود. محمد كاظم مكي، ود. عصام سليمان، ود. هنري العويط، ود. أنور ضو، وبرئاستي.


لكنّ الوزير المستقوي بغازي كنعان آنذاك أوقف طباعة الكتب، وسحب الكتابَين اللَّذين تمّ توزيعُهما، وسحب باقي المخطوطات أو أمر بإتلافها في المطابع. وكأنّ الوزير لا يريد أن يدرس تلامذة لبنان في كتاب موحّد، حتى أنه لا يريدهم أن يدرسوا تاريخ بلادهم. إذ إنّ معظم السوريين، وحتى اليوم، ينظرون إلى لبنان بأنه المحافظة الغربية لسوريا، وإنشاؤه ككيان مستقل كان من صنيعة الانتداب الفرنسي. وأراد الوزير "تبييض وجهه" مع السوريّين بأنه منع توزيع كتاب موحّد يركّز على استقلال لبنان. وأجزم بأنّ السوريّين لم يطلبوا إليه ذلك. وقد تعاطى أصحاب القرار بخفّة مع الموضوع ومع ما فعله الوزير، وهذا ما دأب عليه السياسيّون في الأمور التربوية.


عاد الوزير بعد إقالتي من المركز، وألّف لجنة لمناهج التاريخ، وعندما انتهى العمل في هذه المناهج التي كانت نسخة عن السابقة تقريبًا، لم يرفعها إلى مجلس الوزراء للموافقة عليها. وهذا إثبات على معارضته وضع كتاب تاريخ موحّد، وما قام به كان تمثيلية.


وما زلنا حتى اليوم من دون كتاب تاريخ موحّد، وأعتقد أنه من الصعب أن يصبح لدينا كتاب موحّد في المستقبل القريب بالرغم من تشكيل لجنة لذلك حديثًا في "المركز التربوي" لأنّ الخلاف سيكون على كتابة تاريخ فترة ما بعد الاستقلال. وعلى هامش ما نذكره، فقد احتفظت بعض المدارس الخاصة بالنسخ التي اشترتها من المكتبات لكتابَي الصفَّين الثاني والثالث الأساسيّين، وراحت تصوّرهما في مطلع كل سنة وتوزّعهما على التلامذة. أمّا اليوم فهناك أكثر من عشرين سلسلة معتمدة في المدارس اللبنانية، ومعظمها يحاكي توجّهات أصحاب المدارس، وهكذا أصبح التاريخ مادة لإرضاء الزعماء بدل أن يكون مادة تكشف الماضي من دون أي مسايرة أو خوف.


موت فكرة الذاكرة الجماعية

كان تفكيرنا أن نجعل من كتاب التاريخ الموحّد مصدرًا مساهمًا في بناء الذاكرة الجماعية لتلامذة لبنان ما يجعلهم يفتخرون بوطن واحد، ويشعرون بالانتماء إلى وطن واحد، ولديهم هوية واحدة. ونقصد بتعبير الذاكرة الجماعية ما هو مشترك من معارف ومواقف بين المواطنين حول أحداث حصلت في بلادهم ويتذكّرونها ويفسّرونها بشكل واحد، وتكون هذه الأحداث قد تركت لديهم أثرًا مشتركًا أكان الحدث عملًا عظيمًا، أو كارثة أصابت مجتمعهم يومًا ما، ويتفاعلون مع عناصر الحدث بشكل وجداني أيضًا. لأنه عندما يفسّر الحدث بشكلين مختلفين أو أكثر، فهذا يجعل مادة التاريخ المكوّنة لهذه الذاكرة تتشظّى إلى ما يرضي كلّ فئة مجتمعيّة على حدة، وهنا يبدأ التباعد بين المجموعات التي يتشكّل منها المجتمع الوطني، وتتّسع المساحة لزرع الشك بالآخر أو الحقد عليه. وعند التطرّق إلى الحروب الداخلية، الهدف هو أن يتعلّم الجيل الناشئ درسًا منها، لا أن يكرّرها. وهذا ما حصل في ألمانيا وفرنسا. وهذا ما تمّ وضعه في متن كتب التاريخ التي أُلِّفت في العام 2001. وعندما يخلو مجتمع من مسؤولين يرفضون دراسة الصراع، فإنهم يمهّدون الطريق لحرب أخرى، ولأسباب متعدّدة. وهذا ما سجّله التاريخ عن الشعوب المتخلّفة التي تجد متعة في القتل والانتقام، والتي لا تستطيع أن تتعايش مع بعضها البعض، والتي تكون قياداتها من الشخصيّات ذات الميول العنفيّة التي لا تؤمن بالحوار بل بالتسلّط، ولا تقبل بالمنطق لأنه أسهل عليها أن تحاكي غرائز الناس بدل عقولهم.


وإذا كان لبنان يريد فعلًا وضع كتاب تاريخ موحّد، يكون بمثابة كشف أحداث الماضي وأخطائها بهدف التعلّم منها، فالأمر يحتاج إلى وجود مسؤول أو مسؤولين تربويّين يتحمّلون مسؤولية ذلك، وأن تكون الحكومة داعمة في هذا الشأن ولا تسمح للسياسيّين بأن يتطاولوا ويتدخلوا في نصوص الكتاب. مسؤولون لا يخافون من تعليق فلان أو اعتراض هذه الفئة أو تلك، بل يضمنون حماية الذين يكتبون الوقائع بحيادية.


إن المجتمع الذي عانى من صراع داخلي هو الأكثر حاجة لبناء ذاكرة جماعية في نفوس أبنائه وعقولهم كي يستطيعوا أن يعيشوا مع بعضهم البعض بسلام، ويعملوا معًا لتطوير بلدهم بدل تدميره، وإلا فإنّ وطنًا كهذا سيبقى عرضة للاهتزازات الأمنية والسياسية كلّ عشرين سنة تقريبًا حيث تتوقف عمليّة النموّ والتنمية، ويهجره رأس المال البشري كما رأس المال المادي، ويكون مستقبله غامضًا وغير داعٍ للتفاؤل. فإذا كنّا نطمح لذلك، لا يجب الخوف من وضع كتاب تاريخ يتضمّن الحقائق كما هي، وفي المدرسة يمكن المعلّم أن يقود الحوار ويشرف على تفسير الأحداث ويضمن أنّ الهدف ليس الحفظ من أجل الامتحانات، بل من أجل أن يتعلّم الطلّاب دروسًا من المادة.