وائل خير

تطورات واعدة ولكن...

4 دقائق للقراءة

تاريخ منطقتنا الحديث يبدأ بانهيار السلطنة العثمانية عام 1918 ونشوء كيانات سياسية محدودة التجانس، ليأتي بعدها قيام دولة لليهود على أرض إسلامية عام 1948 ما أثار مشاعر لا تزال مضطرمة أطلقت سلسلة انقلابات عسكرية منذ العام 1949 تشتد سوءًا كلما ارتبطت بأديولوجيات سلطوية. هناك أيضًا ارتفاع أسعار البترول في الخمسينات من القرن الماضي ما نقل مجتمعات عانت من فقر مدقع إلى دول ذات مداخيل هائلة خصصت بعضها مليارات الدولارات لتمويل ونشر الفكر الجهادي. ثم كانت الثورة الإيرانية عام 1979 وإعلانها "ولاية الفقيه" ذات امتدادات إقليمية خاصة في البيئات الشيعية و"الإخوان المسلمين" في أوساط السنّة. ثم كانت أحداث 7 أكتوبر 2023.


 أحداث جمعت إبداع تكتيكي وغباء استراتيجي. الغباء كان افتراض استئصال دولة نووية بمفاجأة عسكرية. أما الإبداع فكتمان سنوات من جمع المعلومات والتخطيط والتدريب وحسن التوقيت اخترق بعدها مقاتلو حماس تحصينات إلكترونية ومن خلفهم مئات المقاتلين اجتاحوا طوال سبع ساعات مستوطنات إسرائيلية وأمعنوا قتلًا واغتصابًا لعزّل مخلفين ما يقرب من 1200 ضحية من مختلف الأعمار كما اقتادوا إلى داخل القطاع 252 أسيرًا معظمهم من المدنيين تتراوح أعمارهم بين الـ 8 أشهر والسبعة عقود.

أخذ أسرى من المدنيين يثبت مقدار معرفة "حماس" بمواطن ضعف عدوها إذ لم يفت مخططيها أن "كعب أخيل" عند اليهود يبقى أسراهم. بهم تحتمي قيادات "حماس" في زمن الحرب، وترفع أثمان تفاوضها في زمن السلم.

ساعات فصلت بين هذا الحدث الإقليمي وانزلاق لبنان فيه. في 8 أكتوبر أعلن السيد حسن نصرالله "مساندة غزة ومشاغلة العدو" فكان أن طوى بقراره نصف قرن تعاقبت فيه ثلاثة احتلالات أدّت إلى انهيار مؤسسات لبنان وتشريد شعبه.

في طلائع ملامح العهد الواعد كان إنهاء 4 عقود من استئثار رئيس المجلس النيابي نبيه البري ليس فقط في مجال التشريع بل بما يفوقه ضررًا إذ تسبب بتعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية بما ينوف على سبع سنوات. هو من يجيز أو يمنع انتخاب رئيس خدمة لمصالح شخصية أو سياسية تعزز مقام الطائفة التي يمثل. انتخاب الرئيس جوزاف عون وخطاب قسمه وبيان وزارة عهده الأولى استأصلت كل ما نادى "الثنائي الشيعي" به طوال عقود وعلى رأسها حصر السلاح بالدولة الذي، إن تحقق، لأنهى سيطرة "الثنائي" التامة على الدولة، مؤسساتها وقراراتها.

وحتى "الوفاقية" التي كانت بمثابة " فيتو" بيد البري، لم تحل دون انتخاب الرئيس جوزاف عون ولا دون تسمية رئيس مجلس الوزراء. خلافًا لتقليد سرى لعقود، اختارت أكثرية المجلس النيابي الساحقة رئيسًا ليس رهن إشارة "الثنائي".

ثم كان تأليف مجلس وزراء سيادي وإن لم يخلُ من زلّتين: تمثيل "حزب الله"، وأيضًا إضافة وزيرين لا كفاءة خاصة لأي منهما بل بالعكس يحملان دمغة موافقة الاحتلالات السابقة على توزيرهما الأمر الذي ما كان لو لم يستوفوا شروط الإذعان.

لا يقتصر حسن اختيار الرئيس نواف سلام على استقلاليته بل يحتسب له الخروج عن تقليد التزم به سابقوه باستثناء سامي الصلح في الفترة الأخيرة من عهد كميل شمعون إذ أسرف رؤساء الوزراء من رياض الصلح، فصائب سلام، فرشيد وعمر كرامي، فسليم الحص، فرفيق وسعد الحريري، في معارضة قرارات كل رئيس جمهورية، ما انتهى بشل السلطة التنفيذية والاستعاضة عنها ببدعة "المراسيم الجوّالة".


رغم التطورات الواعدة لم يحن الوقت للاحتفال بالنصر لا يكفي تهاوي نفوذ إيران الذي بلغ ذروته بحرب الـ 12 يومًا وبالتطورات الواعدة في داخل لبنان وآخرها هزال الحشد الشعبي الشيعي في استقبال علي لاريجاني، وعدم تراجع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء البتة عن مواقفهما إضافة إلى شجاعة وزير الخارجية في ردّه المدوّي على انتقاص لاريجاني له.

هي معطيات مشجعة، لكن النصر يبقى رهينة عنصرين: داخلي وخارجي.

الداخلي: من سينتصر في حال اشتباك مسلّح بين الجيش و"حزب الله"؟ لم أقف على جواب حاسم.

الخارجي: عدم تصدع قوة ترامب واستمرار دعمه.


بعد ما يزيد على السنة ستجرى انتخابات المجلس التمثيلي الأميركي الجزئية. ما هي مفاعيل عدم حفاظ ترامب على أكثريته؟

ثم إن الديمقراطيات تتسم بعدم الاستقرار فأي حدث يمكن أن يبدّل المعادلات.



ألا تتبدل المعادلات لو اغتيل ترامب كجون كينيدي؟ من يستبعد تقصيرًا أدى إلى ووترغيت وأطاح برتشارد نيكسون أن يصيب ترامب؟ ألن يكون انتخاب مانداني عمدة لنيويورك نكسة لترامب لها تداعيات علينا؟ ماذا عن حدث يماثل مقتل جورج فلويد على يد شرطي أبيض؟ أو أزمة اقتصادية، أو فضيحة أخلاقية يضخمها الإعلام الهائل المعادي لترامب؟ لا شك لدي بأن طهران وأذرعها تعلق على تطورات كهذه كل آمالها وربما لن تخذلها الأيام.