ديزي حوّاط

أهي قضية "سلاح" أم صدام ثقافي؟

3 دقائق للقراءة
بكركي أكثر من مرجعية روحية

لم يأتِ موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الداعي إلى حصرية السلاح بيد الدولة من فراغ، بل نبع من هذا الإرث التاريخي الذي ترى فيه بكركي أن لبنان لا يُبنى إلّا بمؤسسات قوية وجيش موحّد. حديث الراعي الأخير لم يكن سوى إعادة صياغة لموقف ثابت: لبنان الدولة فوق كل اعتبار.



وتكشف ردود الفعل الهجومية على هذا الموقف، ومنها ما صدر عن المفتي أحمد قبلان، حجم الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم: أعمق من قضية "سلاح" وبناء دولة بل صدام ثقافي حضاري!


وفي السياق، أكد الباحث في تاريخ الأديان والحضارات جو حتّي أن بكركي واجهت حملات كثيرة عبر تاريخها، واستُشهد بعض بطاركتها، لكنها لم تتعرض لاتهامات بالتخوين كما يحدث اليوم من قبل بعض "أبواق الداخل اللبناني"، وفق تعبيره.



وأشار حتّي إلى أنّ الأحزاب اليسارية والفصائل الفلسطينية خلال الفترة الممتدّة بين 1969 و 1982، ورغم خلافاتها مع بكركي، لم تنحدر إلى مستوى الهجوم الشخصي على البطاركة كما يحدث اليوم. واعتبر أن البطاركة الموارنة لعبوا دورًا حاسمًا في إدخال الطائفة الشيعية ضمن الكيان اللبناني، ما جنّب الشيعة أن يكونوا إمّا سوريين، وإمّا جزءًا من إسرائيل.



وإذ أشار إلى أن "المارونية السياسية تخلّت عن إدارة المجتمع والسلطة لصالح الدولة اللبنانية"، شدّد على أن الموقف الماروني اليوم لا يُعبّر عن تراخٍ، بل عن حرص وواقعية سياسية، مضيفًا: "الماروني المؤمن بلبنان ومارونيته قد يلبس ثوب الذمية مرحليًا، لكنه لا يساوم على الكيان".



وفي ما يخصّ التوتر بين بكركي والمرجعيات الدينية والسياسية الشيعية، ذكر حتّي أنه بدأ يتصاعد بشكل واضح منذ ولاية البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، بسبب مواقفه المناهضة للنظام الأمني السوري، وقد امتدّ هذا التوتر إلى ما بعد خروج الجيش السوري من لبنان، واستمرّ خلال ولاية البطريرك الراعي. وأشار إلى أن الأخير "حاول اعتماد مقاربة دبلوماسية مع الأطراف كافة، لكن هناك من يتمادى، الأمر الذي يُهدّد التوازن الوطني الذي طالما دافعت عنه بكركي".



لم تتوانَ بكركي عن ساحات الدفاع عن الوطن، وكانت دومًا في طليعة المشهد، حاضرة في اللحظات المفصلية، حتى حين وقفت وحدها في وجه الأعاصير السياسية خلال مرحلة "الإحباط المسيحي". واليوم، حين ترفع صوتها من جديد، فإنها تفعل ذلك وفاءً لدورها التاريخي، كمرجعية وطنية لا طائفية، وصوت ضمير يحذّر من خطر المساس بأسس الكيان.



كذلك، حين يدعو البطريرك الراعي إلى حصر السلاح بيد الدولة، لا يستهدف طائفة أو حزبًا، بل يطرح السؤال الجوهري: هل نريد لبنان الدولة، أم لبنان الدويلات؟


وفي هذا الامتحان الوطني، تبقى بكركي كما كانت، متفوّقة، وشاهدة على محطات الاستقلال والحرّية، ومتمسّكة بالمعادلة التي لا بديل عنها: لا قيامة للبنان من دون سيادة كاملة، ومؤسسات شرعية.