قال جبران خليل جبران: "الويل لأمة مقسّمة، وكلّ ينادي أنا أمة". وما أدراك أن هذه الكلمات لم تكن شعراً بل تشريحاً استباقياً لمصير لبنان. واليوم، إذا نظرنا حولنا، سنكتشف أنّنا نعيش حرفياً في تلك النبوءة: شيعة يعتبرون أنفسهم أمة، سنة يرون أنفسهم أمة، موارنة يحسبون أنهم أمة، دروز يحسبون أنفسهم أمة… وأمّا "لبنان" فهو مجرد عنوان بريدي يوحّد هذه الأمم المتنافرة.
دعونا نكون صريحين: في لبنان لا أحد يولد مواطناً. أنت تُسجَّل منذ اللحظة الأولى ابنَ طائفة، لا ابن دولة. لا بطاقة هوية تستطيع أن تخلع عنك ختم الطائفة. الوظيفة تُقرَّر بحسب الطائفة، الزعامة تُختار على أساس الطائفة، حتى مقبرة موتاك محددة سلفاً. إذاً، هل هذه دولة؟ أم كونفدرالية طوائف محميّة بسياج خارجي؟ الطائفية في لبنان ليست مشكلة عابرة، بل هي نظام حياة. في الغرب يسمونها "تنوعاً ثقافياً"، لكن الفارق أن التنوع هناك مصدر غنى، أما هنا فهو حدود وجدران. نحن لا نتعايش، بل نتجاور، ونضع خطوط تماس نفسية واجتماعية وسياسية بين بعضنا البعض.
المفترض أن الدولة هي الحكم العادل بين المواطنين. لكن في لبنان، الدولة موجودة على الورق، وغائبة على الأرض. كل طائفة أقوى من الدولة. كل زعيم طائفي يفاوض الدولة لا كمواطن، بل ككيان مستقل. هل تذكرون كيف تُدار الحكومات؟ تقاسم وزارات كأنها غنائم حرب. وزارة الصحة لهذه الطائفة، وزارة الطاقة لتلك، وزارة المالية للأخرى. هل هذا وطن أم شركة مساهمة بين عائلات سياسية؟ وهكذا تصبح الدولة مجرّد لافتة، بينما السلطة الحقيقية موزعة بين الطوائف. كل طائفة لها حامٍ خارجي: السنة في حضن الخليج، الشيعة في حضن إيران، المسيحيون في أحضان فرنسا والفاتيكان، الدروز في ظل سوريا و إسرائيل. كل طائفة لها “مرجعية حامية” في الخارج، فما الحاجة لدولة مركزية إذاً؟
كثيرون يحبّون وصف لبنان بأنه "وطن الرسالة". رسالة ماذا؟ الرسالة الوحيدة التي فهمها العالم أن لبنان هو الساحة المفضلة لتصفية الحسابات. من احداث عام ١٩٥٨ إلى الحرب الأهلية إلى حرب تموز إلى الثورات والانهيارات، لم يكن لبنان يوماً سيد نفسه. هو مجرد ملعب صغير يتصارع فيه الكبار، بينما جمهوره (أي الشعب) يتفرج ويتلقى الضربات.
لبنان ليس جسراً بين الشرق والغرب كما يقولون، بل جداراً يُضرب به الشرق والغرب بعضهما ببعض. فهل يمكن لبلد كهذا أن يكون وطناً حقيقياً؟
لننظر حولنا بصدق: الإعلام مقسم طائفياً، التعليم مقسم طائفياً، السياسة مقسمة طائفياً، حتى العائلات ممتدة وفق خطوط طائفية. في بيروت نفسها، تستطيع أن تعرف من يسكن هذه المنطقة ومن يسكن تلك من مجرد انتماءاتهم. أليست هذه أوطاناً صغيرة محاطة بأسلاك شائكة غير مرئية؟ والمصيبة أن كل “وطن صغير” لديه تعريف مختلف للبنان. هناك من يراه جزءاً من الأمة العربية، وهناك من يراه حصناً مسيحياً، وهناك من يراه قاعدة مقاومة، وهناك من يراه سويسرا الشرق. أي وطن يمكن أن يقوم إذا كان تعريفه نفسه موضع نزاع؟
حين قال جبران عبارته الشهيرة، كان يرى بعين ثاقبة: الأمة المقسّمة تتحوّل إلى مجموعات تنادي كل واحدة بأنها الأمة الحقيقية. اليوم، كل طائفة في لبنان تعتبر نفسها “الأمة” والباقي مجرد ضيوف. النتيجة؟ صراع دائم على هوية البلد. لكن هنا سؤال جدلي: هل هذا الانقسام لعنة مطلقة، أم سرّ بقاء لبنان؟ البعض يقول إن التعددية الطائفية، رغم مآسيها، جعلت لبنان عصياً على حكم ديكتاتور واحد أو ذوبان في قوة واحدة. وكأن التنوع الذي يقتل لبنان هو نفسه ما يمنع موته الكامل.
في لحظات معينة (خلال حرب أو عدوان خارجي أو كارثة كبيرة) نرى اللبنانيين يلتفون حول شعور وطني عابر للطوائف. لكن ما إن تمر العاصفة حتى يعود كل إلى خندقه. الهوية الوطنية عندنا ظرفية، تتفجر بالعاطفة لكنها لا تتجذر في المؤسسات.
فهل يمكن بناء هوية وطنية ثابتة في ظل نظام طائفي يحكم كل تفاصيل الحياة؟ هل يمكن لمواطن أن يشعر بالانتماء لدولة لا تعترف به إلا بصفته ابن طائفة؟
على الورق، لبنان هو “سويسرا الشرق”، بلد الحرية والإبداع والموسيقى والجامعات. في الواقع، لبنان بلد العتمة والفساد والطوابير. المثقفون يتغنون بلبنان الوطن الرسالة، والسياسيون يتقاسمونه كقطعة كعك. التناقض فاضح: لبنان الذي نحلم به ليس لبنان الذي نعيشه.
وهنا إشكالية أخرى: هل المشكلة في الكيان اللبناني نفسه الذي وُلد مشوهاً؟ أم في الطبقة السياسية التي أفسدت كل فرصة لبناء وطن حقيقي؟ هل لبنان مشروع فاشل منذ البداية، أم مجرد رهينة في يد زعمائه؟
لذا، الخيارات أمام لبنان محدودة ؛ إما الاستمرار في الوضع الحالي: أي وطن بلا دولة، طوائف بلا وطن. وهذا السيناريو الأكثر احتمالاً، إما التقسيم الفعلي: كل طائفة تتحول إلى كيان مستقل، إما الخروج نحو الدولة المدنية: أي بناء وطن يتجاوز الطوائف. حلم جميل، لكنه يبدو مستحيلاً لأن الطائفية أقوى من أي مشروع مدني.
اذاً، هل لبنان وطن أم أوطان؟ الحقيقة أنه الإثنان معاً. هو وطن في الشعر والأغاني، وأوطان في الواقع اليومي. هو حلم جميل يعلقه اللبنانيون على جدران المقاهي، وكابوس مرير يعيشونه عند انقطاع الكهرباء أو انفجار أزمة جديدة. لبنان ليس بحاجة إلى قصائد جديدة تمدحه، بل إلى عقد اجتماعي جديد يحرره من قبضة الطوائف. لكن السؤال الجدلي القاسي يبقى: هل تستطيع الطوائف أن تتنازل عن امتيازاتها لصالح وطن جامع؟ أم أن لبنان سيبقى إلى الأبد “أوطاناً متناحرة” تحت اسم وطن واحد؟