القاضي أنطوان الناشف

الحصانة النيابية بين القانون والواقع والإجراءات المحددة

4 دقائق للقراءة

الحصانة النيابيّة هي نوع من الحماية القانونيّة الّتي يُعطيها الدّستور لنوّاب الشّعب في البرلمان حتّى يستطيع النّائب أن يؤدّي وظيفته الدّستوريّة كسلطة تشريعيّة بعيدًا من تأثير السلطة التّنفيذيّة على أعضاء البرلمان.


اولًا – في القانون

نصت المادة 39 من الدستور اللبناني على ما يلي "لا تجوز إقامة دعوى جزائية على أيّ عضو من أعضاء المجلس بسبب الآراء والأفكار التي يُبديها مدّة نيابته". إن هذه الحصانة هي شاملة ودائمة طوال ولاية النائب التمثيلية، حتّى أنّها تبقى سارية المفعول بعد زوال صفة النّيابة عنه، فلا يجوز التقدّم ضدّ أيّ نائب سابق بدعوى جزائية عن الآراء والتصريحات التي سبق أن عبّر عنها عندما كان عضوًا في المجلس.


نصّت المادة 40 من الدستور على أنه "لا يجوز في أثناء دور الانعقاد اتخاذ إجراءات جزائية بحق أيّ عضو من أعضاء المجلس أو إلقاء القبض عليه إذا اقترف جرمًا جزائيًا إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبّس بالجريمة". إن هذه الحصانة الإجرائيّة أو "الحرمة الشخصيّة"، هي نسبية وموقّتة وقاصرة، إذ إنّها تمنع ملاحقة النائب جزائيًا أثناء دور انعقاد مجلس النواب إذا اقترف جرمًا جزائيًا إلا في حالة التلبّس.


نصّت المادة 90 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنه "لا تجوز خلال دورات انعقاد المجلس، ملاحقة النائب جزائيًا أو اتخاذ إجراءات جزائية بحقه أو إلقاء القبض عليه أو توقيفه إلا بإذن المجلس ما خلا حالة التلبّس بالجريمة، أي الجرم المشهود". وهذا يعني أنّه لا يمكن تحريك الدعوى العامة ضد النائب في هذه الجرائم أثناء دورات انعقاد المجلس إلا بعد الحصول على إذن مجلس النواب باستثناء حالة الجرم المشهود؛ أما إذا لوحق النائب خارج دورة الانعقاد أو قبل انتخابه نائبًا فتستمر الملاحقة في دورات الانعقاد اللاحقة وذلك دون الحاجة إلى طلب إذن المجلس.


ثانيًا – في الواقع

شهد لبنان ومنذ الاستقلال أربع حالات رفع حصانات نيابية:

الحالة الأولى، كانت مع النائب رفعت قزعون (عام 1952) وكانت التهمة بقتل أحد الصحافيين (قبل الطائف).


الحالة الثانية، مع النائب يحيي شمص (عام 1994 في جلسة في مجلس النواب في 24 تشرين الثاني وتم صدور حكم عن محكمة الجنايات في بيروت في 12 حزيران 1996 بالسجن لمدة سبع سنوات أشغالاً شاقة بتهمة تهريب مخدرات وأطلق سراحه بموجب قانون عفو عام عن جرائم المخدرات، أقره المجلس بعد أربع سنوات على سجنه).


الحالة الثالثة، التي رفع المجلس بموجبها الحصانة كانت عن النائب حبيب حكيم (عام 1999 بتهمة الضلوع في ملف محرقة برج حمود وإهدار مال عام وأحيل إلى القضاء وأوقف على ذمة التحقيق ثم أخلي سبيله بسبب وضعه الصحي).


الحالة الرابعة، هي الحالة المتعلقة بالنواب بطرس حرب وجمال الحجار ونقولا صحناوي في العام 2025 وما زالت قيد التحقيق.


ثالثًا – في الإجراءات القانونية المحددة لرفع الحصانة

يقدم طلب الإذن بالملاحقة وزير العدل مرفقًا بمذكرة من النائب العام لدى محكمة التمييز تشتمل على نوع الجرم وزمان ومكان ارتكابه وعلى خلاصة عن الأدلة التي تستلزم اتخاذ إجراءات عاجلة.


يقدم طلب الحصانة إلى رئيس المجلس الذي يدعو هيئة مكتب المجلس ولجنة الإدارة والعدل إلى جلسة مشتركة لدرس الطلب وعلى هذه الهيئة تقديم تقرير بشأنه في مهلة أقصاها أسبوعان.


إذا لم تقدم الهيئة المشتركة تقريرها في المهلة المعينة في المادة السابقة، وجب على رئاسة المجلس إعطاء علم بذلك للمجلس في أول جلسة يعقدها، وللمجلس أن يقرر منح الهيئة المشتركة مهلة إضافية بالقدر الذي يراه كافياً أو وضع يده على الطلب والبت به مباشرة.


عندما يباشر المجلس البحث في طلب رفع الحصانة يجب استمرار المناقشة حتى البت نهائيًا بالموضوع.


للإذن بالملاحقة مفعول حصري ولا يسري إلا على الفعل المعين في طلب رفع الحصانة.


يتخذ قرار رفع الحصانة بالأكثرية النسبية وفقًا للمادة 34 من الدستور.


إذا لوحق النائب بالجرم المشهود أو خارج دورة الانعقاد أو قبل انتخابه نائبًا تستمر الملاحقة في دورات الانعقاد اللاحقة دون حاجة إلى طلب إذن المجلس ولكن على وزير العدل أن يحيط المجلس علمًا بالأمر في أول جلسة يعقدها وللمجلس الحق بأن يقرر عند الاقتضاء بناء على تقرير الهيئة المشتركة وقف الملاحقة بحق النائب وإخلاء سبيله موقتًا أثناء الدورة إذا كان موقوفًا وذلك إلى ما بعد دور الانعقاد.


للهيئة المشتركة وللمجلس عند درس ومناقشة طلب رفع الحصانة تقدير جدية الملاحقة والتأكد من أن الطلب بعيد من الغايات الحزبية والسياسية ولا يستهدف حرمان النائب من ممارسة عمله النيابي.


إذا إرتكب النائب جرماً من نوع الجناية في مقر المجلس فعلى الرئيس أن يأمر بالقبض عليه وأن يحتجزه في مكان معين ويسلمه للسلطة القضائية فور حضور من يمثلها. أما إذا كان الجرم من نوع الجنحة، فللرئيس إبلاغ السلطات المختصة بإتخاذ التدابير القانونية