ألين الحاج

حملة عربيّة نحو "إلغاء متابعة المشاهير"

3 دقائق للقراءة
الخلل لا يقتصر على صانعي المحتوى بل يشمل بنية المنصّة

في لحظة تحوّل لافتة داخل الفضاء الرقمي العربي، بادر ناشطون رقميّون إلى إطلاق حملة "إلغاء متابعة المشاهير"، معلنين بذلك إعادة رسم قواعد العلاقة مع صنّاع المحتوى، لا سيّما على منصة "تيك توك". الحملة التي بدأت كخطوة احتجاجيّة عفوية من بعض المستخدمين، سرعان ما تحوّلت إلى "ترند" واسع يشمل فئة كبيرة من المتابعين، خصوصًا الشباب.

المشاركون في هذا الحراك، رأوا أنّ هؤلاء المؤثرين يقدّمون صورة مزيّفة للحياة، ويغرقون في استعراض الرفاهية والإنفاق المالي، ما يخلق فجوة عاطفيّة ونفسيّة لدى المتابعين، خصوصًا المراهقين من بينهم، الذين يبدأون بمقارنة أنفسهم بمستوى حياة لا يمكنهم بلوغه.


ومن أبرز الانتقادات التي طُرحت: الترويج المستمر لأسلوب حياة فخم وغير واقعي، استغلال عدد المتابعين لتحقيق أرباح من خلال إعلانات ومنتجات مشكوك في جدواها أو مصداقيتها، إضافةً إلى تجاهل قضايا إنسانية جوهرية في العالم العربي، وعلى رأسها ما يحدث في غزّة مثلًا، مقابل التركيز على المحتوى الاستهلاكيّ الفارغ.


قلق داخل "تيك توك"

هذا الغضب الشعبيّ الذي عبّر عنه بعض من الجمهور العربي، لا ينفصل عن مناخ عالمي يتصاعد فيه الوعي بضرورة مراجعة علاقة المستخدمين بالمحتوى الرقمي، والتساؤل عن الأثر النفسي العميق لِما يُعرض من خلاله تحت غطاء "الترفيه" لا سيّما لدى المراهقين والفئات الشابة. 


وفي هذا السياق، برز إدراج مقطع فيديو ضمن دعوى قضائية في ولاية نورث كارولاينا الأميركية، يُظهر عددًا من الموظفين الحاليّين والسابقين في منصّة "تيك توك"، وهم يعبّرون عن قلقهم العميق من التأثيرات السلبيّة للتطبيق على الصحة النفسية للمراهقين. وتذهب الدعوى أبعد من ذلك، لتتّهم الشركة بأنها صمّمت منصّتها كي تكون شديدة الإدمان بالنسبة للقاصرين، وبأنها خدعت الأهل والأطفال بشأن المخاطر المرتبطة بالاستخدام المفرط، لا سيّما على المستوى النفسي والسلوكي.


هذا النوع من الاتهامات يعكس أن الخلل لا يقتصر على صانعي المحتوى فحسب، بل يشمل أيضًا بنية المنصّة نفسها التي تعمل وفق خوارزميات مصمّمة لإبقاء المستخدم لأطول وقت ممكن، من دون أن تُعير بالضرورة اهتمامًا لتأثير ما يتلقّاه.


بين التجاهل والتبرير

لكن رغم اتساع الحملة، لم يصدر أيّ موقف موحّد من جانب المؤثّرين المعنيين، فبعضهم تجاهل الموضوع بالكامل وواصل نشر المحتوى المعتاد، بينما اكتفى آخرون باعتبار الحملة مجرّد "غيرة من النجاح" أو "حسد" من نمط الحياة الذي يعيشونه. في المقابل، عبّر بعض صانعي المحتوى عن استغرابهم من التحوّل المفاجئ في مزاج الجمهور، متسائلين عن الدافع الحقيقي وراء الحملة. 


نحو بيئة رقمية مسؤولة

ورغم عدم انخفاض أعداد متابعي بعض المؤثّرين الذين طالتهم الحملة، بدا واضحًا أنّ العلاقة بين الجمهور وصنّاع المحتوى تشهد تحوّلًا نوعيًّا، حيث لم يعد الجمهور مستهلكًا سلبيًا بل أصبح شريكًا فاعلًا يمتلك أدوات الاعتراض والمحاسبة عند تجاوز الحدود الأخلاقية. وفي ظل غياب ضوابط حقيقية من المنصّات وتزايد المخاوف على الفئات الحسّاسة من الجمهور، يبقى الوعي المجتمعي خط الدفاع الأول بانتظار دَور التشريعات لحماية مستخدمي مواقع التواصل، لا سيّما القاصرين.