ماري منصف

أمسية أوبراليّة على مسرح "فيكتوريا هول"

"Les Solistes de Beyrouth" غنّوا في جنيف

5 دقائق للقراءة

احتضنت مدينة جنيف السويسريّة أمسية موسيقيّة استثنائيّة قدّمتها مجموعة "Les Solistes de Beyrouth"، بمشاركة فنانين عالميّين، دعمًا لمؤسسة "كاريتاس لبنان". الحفل أُقيم في قاعة "فيكتوريا هول" التاريخية التي شُيّدت في القرن التاسع عشر وأُهديت للملكة فيكتوريا، ولا تزال حتى اليوم من أبرز قاعات الموسيقى في أوروبا والعالم، حيث مرّ على خشبتها كبار قادة الأوركسترا ووقف أشهر مغنّي الأوبرا والجاز، ليكون الدَّور هذه المرّة من نصيب أصوات لبنانية حملت صورة مشرقة عن بلدها.

قبل نحو ثلاث سنوات، تأسست مجموعة "Les Solistes de Beyrouth" على يدَي المايسترو وأستاذ الغناء الأوبرالي فرناندو عفارة. هي مجموعة غنائيّة يقودها عفارة وتضمّ محترفين في الغناء الأوبرالي وطلّابًا متقدّمين في دراساتهم الصوتيّة. وعلى الرّغم من عمرها القصير، استطاعت الفرقة إثبات حضورها في لبنان والمنطقة بفضل جدّية العمل، الشغف، والتقنيات العالية التي يتمتع بها أعضاؤها. بحسب عفارة "ما يميّزنا هو البحث المستمر عن الصوت الذي نريده، عن الأداء المختلف الذي يترك أثرًا، وعن نوعية وجودة عالمية حتى لو كان العدد صغيرًا"، كما قال لـ "نداء الوطن".


بين الأوبرا والريبرتوار اللبناني

على مدى أكثر من 90 دقيقة، امتدّت الأمسية التي قدّم خلالها "Les Solistes de Beyrouth" برنامجًا متنوّعًا جمع بين المقطوعات الدينيّة والدراميّة. فتنقّل الحضور من روائع بولينك وروسيني إلى أعمال فيردي وماسكاني، قبل أن يبلغ العرض ذروته مع مقاطع مختارة من "أوبرا كارمن" لبيزيه، التي استمرّت وحدها لمدّة 50 دقيقة بأداء غنائي درامي متقن.


وتألّقت الأصوات بأداء السوبرانو السويسريّة العالميّة كارين سيشاي، وفاليري ميكائيل، وفيوليتا دمعه، ونورا بدران، فيما أبدع أمبواز ديفاريه في آريا دون خوسيه بأداء فرنسي أصيل. كما رافق المجموعة العازف الروسي ألكسندر شايكين على البيانو، وهو أحد الأسماء البارزة في العزف الكلاسيكي. بالإضافة إلى عازف الأورغ الفرنسي إيف لافارغ، الذي حضر خصيصًا من فرنسا لعزف ثلاث مقطوعات افتتاحية.


كما قدّمت المجموعة نشيد حقوق الإنسان من تأليف الراحل جهاد زيدان، وأدّته فيوليتا دمعه بإحساس مؤثّر، قبل أن تُختتم الأمسية بتحية لبنانية تراثية من توقيع توفيق سكر وغناء الفرقة وإنشاء منفرد لسيرج مدوّر وفيوليتا دمعه ونادين حسن، جمعت ببراعة بين النكهة الشرقية والنَفَس الغربي.


لبنان على منبر عالمي

الجمهور رفض مغادرة الحفل بمجرّد إعلان نهايته، ففرض على الفنانين العودة إلى خشبة المسرح لتكرار بعض المقطوعات. مشهد جعل فرناندو عفارة يصفه في حديثه معنا بأنه "كان شعورًا يشبه الوقوف على خشبة الأوبرا في ميلانو أو باريس. فالجمهور كان مبهورًا، وردّات الفعل فاقت التوقعات. بالنسبة لنا، كان ذلك أكبر دليل على أنّ لبنان قادر أن يترك بصمته حتى في أرفع المنابر العالمية". 


الأوبرا في زمن السوشيال ميديا

وعن حضور فنّ الأوبرا في عالمنا اليوم، يقول عفارة إنّ الصورة تغيّرت كثيراً، إذ "قبل سنوات قليلة، كان الوصول إلى الموسيقى الكلاسيكيّة محصورًا بقاعات الأوبرا أو ضمن تسجيلات نادرة. أما اليوم، فقد أصبحت متاحة على مختلف المنصّات مثل "يوتيوب"، "سبوتيفاي"، و "أنغامي". حتى إنّ مغنّي الأوبرا أنفسهم صاروا ينشرون محتواهم عبر "إنستغرام" و "تيك توك"، ما جعل هذا الفن أقرب إلى الناس وأكثر إلفة". ويضيف أنّ هذا الانفتاح سمح لجيل جديد باكتشاف جمال الأوبرا والتعرّف عليها بل وحتى التفكير في احترافها إذا توفرت لهم الموهبة والدعم.


واقع الأوبرا في لبنان

يتحدّث المايسترو فرناندو عفارة عن واقع فن الأوبرا في لبنان، فيقول إنّ الأصوات موجودة لكنّ المشكلة تكمن في غياب المؤسسات الراعية، شارحًا أنّ "المشكلة ليست في غياب الأصوات الأوبراليّة لأنها متوفّرة، بل بغياب المساحات والجهات التي تحتضن هذه المواهب. كثيرون يبدأون تجربتهم في لبنان، ثم يصلون إلى مرحلة لا يعرفون كيف يتابعون، فيقرّرون إمّا التوقّف أو السّفر إلى الخارج لاستكمال دراستهم ومواصلة مسيرتهم".

ويوضح أستاذ الغناء الأوبرالي أنّ لبنان يفتقر إلى دار أوبرا أو مسرح مخصّص بشكل جدّي لهذا الفن، لكنّ هناك أملًا بإنشاء صرح أوبرالي في المستقبل القريب، مشيرًا إلى أنّ الأوبرا ليست جزءًا أصيلًا من الثقافة الموسيقيّة اللبنانيّة التي تقوم بالأساس على الموسيقى الشرقية والعربية. لكنه يعتبرها فنًّا راقيًا يوسّع آفاق المستمع ويهذّب الذوق، ويضيف قيمة جمالية إلى المجتمع في زمن تطغى فيه الأغاني التجارية السريعة.




تقدير الجمهور وغياب الدعم الرسمي

بعد عودة مجموعة "Les Solistes de Beyrouth" إلى بيروت، بدأ صدى ما قدّمته المجموعة في جنيف يتظهّر تدريجيًّا عبر وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي، كما يقول عفارة، الذي يضيف أنّ الاستراتيجية اليوم تقوم على نشر مقاطع مصوّرة من الحفل بشكل دوري عبر "يوتيوب" ومواقع التواصل كي يبقى العمل حيًّا ويبلغ جمهورًا أوسع. أما عن الاحتضان الرسمي فيأسف مدير المجموعة لعدم حصول أي تجاوب من المعنيّين بعدما جرت محاولة للتواصل مع وزارة الخارجية ليكون هناك دعم أو حضور رسمي، ويضيف أنّ "هذا النوع من الأحداث يُفترض أن يحظى برعاية من الدولة لأنه يرفع اسم لبنان في أهم المنابر العالمية. لذا نتمنى أن يكون هناك تجاوب أكبر في المستقبل من وزارتَي الثقافة والخارجية تحديدًا"، ويختم حديثه مؤكّدًا أنّ "على الرّغم من كلّ الصعوبات، يبقى الأهم أننا رفعنا اسم لبنان في جنيف، وهذه مسؤولية نفتخر بها، ونأمل أن تجد صدى ودعمًا أكبر في المرات المقبلة".