جو رحال

سلاح المخيمات على طريق الدولة: خطوة أولى من برج البراجنة

3 دقائق للقراءة

في 21 آب 2025، دوّى في لبنان حدث غير عادي من دون إطلاق رصاصة واحدة. من مخيم برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت خرجت شاحنة محمّلة بأسلحة خفيفة وقذائف "آر.بي.جي" باتجاه الجيش اللبناني. مشهد بدا متواضعًا في تفاصيله، لكنه حمل رمزية بالغة: للمرة الأولى منذ عقود، يُسلَّم السلاح من داخل المخيمات الفلسطينية إلى الدولة، في خطوة وُصفت بأنّها بداية مسار طال انتظاره لحصر السلاح بيد الشرعية.


الخلفية السياسية لهذه اللحظة تعود إلى لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في 21 أيار الماضي، حيث جرى الاتفاق على أنّ "لا دولة تُبنى بظل سلاح متفلّت ولا أمن يُحفظ خارج مؤسسات الشرعية". وتكرّس المبدأ بقرار لمجلس الوزراء في 5 آب، قضى بتكليف الجيش وضع خطة شاملة تنتهي قبل نهاية العام. وقد لاقى هذا التوجه دعمًا دوليًا وعربيًا لافتًا، إذ رحّبت واشنطن وباريس بالخطوة، فيما اعتبرت القاهرة والرياض أنّها "تأسيس ضروري لاستقرار لبنان وتعزيز الأمن الإقليمي".


في اليوم الأول، أشرفت لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني على تسليم دفعة من الأسلحة في برج البراجنة، رئيس الحكومة نواف سلام وصف العملية بأنّها "مدخل جدّي لمعالجة أحد أعقد الملفات الأمنية في لبنان"، بينما شددت الرئاسة الفلسطينية على أنّ التسليم يجري "ضمن تفاهم مع الدولة اللبنانية لحماية أمن الجميع". لكن سرعان ما ظهرت التباينات؛ فحركة "فتح" تبنّت المبادرة وقدّمت نفسها في الواجهة، بينما اعتبرت "حماس" و"الجهاد الإسلامي" أنّ ما جرى لا يشكّل بداية نزع شامل للسلاح، بل مجرّد إجراء تنظيمي داخلي. هذا التباين يُظهر أنّ نجاح الخطة يحتاج إلى ضمانات سياسية وأمنية تُقنع الفصائل وتمنع أي فراغ قد يتحول إلى انفجار.


التاريخ يفرض نفسه هنا. فمنذ اتفاق القاهرة عام 1969 الذي منح المخيمات وضعًا أمنيًا خاصًا، وحتى إلغائه عام 1987، ظلّت هذه المناطق خارج سلطة الدولة. وما أحداث عين الحلوة عام 2023 إلا تذكير صارخ بخطورة ترك السلاح يتسيّد داخل بيئات مكتظة وهشّة. واليوم، تبدو الدولة اللبنانية أمام فرصة لاستعادة سيادتها، لكن من دون أوهام: الطريق شائك والرهانات كبيرة.


التحدي الأبرز يبقى في "اليوم التالي". فداخل المخيمات يعيش أكثر من 222 ألف لاجئ فلسطيني، أكثر من 80 % منهم تحت خط الفقر، في ظل أزمة تمويل خانقة تعصف بوكالة الأونروا. وسط هذا الواقع، يصبح السلاح بالنسبة للبعض وسيلة عيش ونفوذ أكثر منه أداة دفاع. لذلك، فإن أي عملية نزع سلاح لن تنجح من دون خطة موازية تعالج جذور الأزمة عبر مشاريع تنموية وخدمات أساسية تعيد الثقة وتحول المخيمات من بؤر هشّة إلى فضاءات استقرار.


اليوم، يقف لبنان أمام لحظة فارقة: تحويل رمزية التسليم في برج البراجنة إلى مسار مستدام يقوم على ثلاث ركائز واضحة – آلية شفافة لتجميع وتوثيق السلاح بإمرة الجيش، مظلة سياسية لبنانية – فلسطينية تمنع الفراغ الأمني، وحزمة إنعاش اجتماعي – اقتصادي عاجلة تُعيد بناء الثقة. وكما قال الرئيس جوزياف عون: "لا دولة في ظل دويلة، ولا أمن من دون جيش واحد وشرعية واحدة".


من برج البراجنة بدأت الشرارة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على استكمال الطريق. فهل ينجح لبنان في تحويل هذه البداية الرمزية إلى مسار سيادي شامل يطوي صفحة السلاح خارج الشرعية؟