شربل صيّاح

من دموع الأهل إلى درس الدولة: ماذا يعني بشير الجميل لجيل اليوم؟

4 دقائق للقراءة

أنا أنتمي إلى جيلٍ لم يُعاصر بشير الجميل. لم أره في ساحات السياسة ولا في أيامه القصيرة في رئاسة الجمهورية. تعرّفت عليه عبر دموع أهلي، عبر وجع مجتمعي، وعبر كلماته التي لم أسمع لها مثيلًا حتى اليوم. كلمات حملت جرأة غير معهودة في تاريخ لبنان، وشفافية نادرة في قول الأمور كما هي، بلا مداراة ولا مساومات. وهذه الخصائص ليست مجرد صفات شخصية، بل دلائل على صلابة رجل أراد أن يغيّر مجرى الأمور في وطنٍ كان عالقًا في دوامة الانقسام والفساد والاحتلالات.

إن مسؤوليتنا نحن، جيل ما بعد بشير، أن نقرأ تجربته لا بعين الحنين فقط، بل بعين النقد البنّاء والعلم السياسي. فالمطلوب اليوم ليس مجرّد تمجيد بشير كـ”بطل استثنائي”، بل الاستفادة من مساره لفهم ما الذي أنجزه وما الذي لم يُنجَز، وما الذي أعاق مشروعه في بناء دولة قوية. فالتمجيد وحده، وإن كان مشروعياً لشخصية بوزن بشير، لا يكفي ليؤسّس مستقبلًا، بل يجب أن يترافق مع تفكيك موضوعي لتجربته من أجل أن نصوغ مشروعًا وطنيًا يتناسب مع واقعنا الراهن.

جرأة غير مسبوقة

لقد تميّز بشير بجرأة لم يعرفها تاريخ لبنان الحديث، إذ تحدّى الحلفاء والخصوم في آن واحد، بل تحدّى البنى التقليدية التي شكّلت سقف السياسة اللبنانية : من المعادلات الطائفية ( اللّقاء مع أرسلان ، صائب سلام ، كامل الأسعد…) إلى الحسابات الإقليمية والدولية ( رفض التقاء مصالح الغرب و خصوصاً إسرائيل على حساب لبنان ).

لقد ذهب أبعد من ذلك حين صوّب مباشرة على الفاتيكان والدولة المركزية كما كانت تُدار آنذاك، في محاولة لكسر كل “المحرّمات” التي كبّلت القرار الوطني.

فرؤيته كانت نابعة من مبدأ واضح: بناء دولة قوية، لا تستمد مشروعيتها من التوازنات الطائفية ولا من الوصايات الخارجية، بل من القانون وهيبة المؤسسات.

الدولة أم البطل؟

لكن المفارقة تكمن هنا: بشير الجميل الذي حُمّل لقب “الحلم” في الوجدان المسيحي، كان يدرك أنّ مشروعه لا يقوم على البطولات الفردية بل على تحويل لبنان إلى دولة قانون حديثة. إلا أن اغتياله السريع ــ بعد واحد وعشرين يومًا فقط من انتخابه ــ جعل التجربة تتوقف عند حدود “الأسطورة”. فتحوّل بشير من رئيسٍ كان مقدّراً أن يختبر صراع بناء الدولة، إلى رمز عاطفي أسير “الحلم الضائع”. وهنا تكمن خطورة الاستمرار في التعامل مع بشير كشخص/رمز، بدلاً من التعامل معه كدرس سياسي علمي حول ضرورة الانتقال من منطق الأبطال إلى منطق المؤسسات.

استشهاد الحلم

يمكن القول إن استشهاد بشير لم يكن فقط اغتيالاً لشخص، بل كان اغتيالاً لمشروع أراد إخراج لبنان من نظام ١٩٤٣ القائم على المحاصصة، نحو دولة حديثة ذات هيكلية موحّدة، اصطدم بجدار صلب من التوازنات الإقليمية، الحسابات الداخلية، والبُنى الذهنية الطائفية المتجذّرة. ولعل هذا ما يفسّر لماذا بعد مرور أكثر من أربعين عامًا على انتخابه واغتياله، لا يزال لبنان يعيش في أسر الصيغة نفسها التي أراد بشير أن ينسفها جذريًا.

الحاجة إلى قراءة جديدة

المجتمع المسيحي، ومعه المجتمع اللبناني بأسره، مدعوّ اليوم إلى قراءة بشير الجميل قراءة جديدة: لا كـ “بطل قومي” بل كمنظّر محتمل للدولة. التجربة التي لم تُكتمل يجب أن تُدرَس لا بعاطفة الحنين، بل بأدوات الفكر السياسي. والسؤال الحقيقي ليس: “هل نعيد تجربة بشير؟” بل: “كيف نُترجم بشير الحلم إلى مشروع عصري يتناسب مع لبنان المجتمع المركب؟”

إن الخروج من منطق الأبطال ضرورة وجودية.

فالدول الحديثة لا تُبنى على الكاريزما الفردية بل على المؤسسات المتينة، و القوانين الصّلبة .

بشير الجميل أدرك ذلك : أي أن يتجسّد القانون في كل فرد، وأن تسقط كل أشكال “الزعبرة” والفساد والمحسوبية. هذا القول، إذا ما نُزع من سياقه الخطابي، يُمثّل حجر الزاوية لبناء دولة حديثة.

في هذا الإطار، لا يُقاس الحلم بقيام الأبطال، بل بقدرة الدولة على حماية الجميع، وضمان أن يكون “بشير الجميل” موجودًا في كل موظف يلتزم بالقانون، ويعيش قيم النزاهة المؤسساتية في عمله اليومي ، و بذلك يُصبح هو البطل الذي لطالما انتظرناه.

بشير الجميل إذاً، ليس مجرد رمز مسيحي أو قائد عسكري أو حتى رئيس اغتيل قبل أن يحكم. هو حالة سياسية علمية تحتاج إلى تحليل بقدر ما تحتاج إلى إحياء. إن تحويل بشير من “أسطورة” إلى “درس” هو التحدي الأكبر أمام اللبنانيين اليوم. وإذا لم يتحقق مشروع الدولة العصرية اللامركزيّة ، فلن يبقى من بشير سوى صورة على يافطة، وأغنية توقظ الغصّة. أما إذا عرفنا أنّ الدولة هي البديل الوحيد عن الفوضى والوصاية والانقسام، عندها فقط يتحقق حلم بشير، لا عبر السلاح أو الشعارات، بل عبر تأسيس دولة مؤسسات حقيقية تصبح هي البطولة تُنهي الحاجة إلى الأبطال.