يردّدون دائمًا عبارة "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها". لكن يا حرام، يبدو أنّ الجميع عندنا في هذا البلد العجيب يريدونها أن تنام، بشرط أن تكون نومتها عندهم في الصالون. وكلّ فريق يحاول أن يضع لها مخدّة محشوّة ريش إوزّ تركيًا، أو شرشفًا مطرّزًا بخيطان مذهّبة من الخليج، أو حتى شراشف صوفيّة إيرانيّة. وكلّهم يغنّون لها تهويدة خاصة، هذا يغنّي "نامي ع صدري يا فتنة"، وذاك يردّ "نامي بعيدي عنّي يا فتنة". وهكذا تتحوّل الفتنة إلى أشبه بطفل مشترك في حضانة الطوائف، الكل يدّعي أنّه الوصيّ الشّرعيّ عليها، بينما هي في الواقع لا تنام بل تفتح عينًا وتغمض أُخرى مثل قطّة مراقِبة.
أما أنا، فأعترف أنني أغار من هذه الفتنة. ليتني كنت مكانها، على الأقل كانت كلّ الطوائف تتسابق كي لا توقظني، وكلّ الزعماء يحرسون باب غرفتي لئلا يقترب منّي أحد ويوقظني. تصوّروا في بلد يضيق على المواطن البسيط حتى في تنفّسه، الفتنة لديها حماية "كاملة الدسم" من رؤساء، نواب، سفراء، ووساطات دولية!
لكن مهلاً… من يراقب جيّدًا يرى أنّ "الفتنة النائمة" لا تختلف كثيرًا عن "زهرة الفتنة"، تلك الزهرة الجميلة الفاتنة، البيضاء والصفراء، وأحياناً الزهرية، التي تنمو فجأة في كلّ ساحة سياسية مثل عشب برّي، لا تدري من أين خرجت ولا إلى أين ستأخذك رائحتها. زهرة الفتنة عندنا لا تُزرع في الحدائق فقط، بل تُزرع أيضاً في البيانات، في المفاوضات، في خطابات رؤساء الكتل، وحتى في مقابلات صباحيّة وظهريّة ومسائيّة على التلفزيون. رائحتها قوية، تفتح النفس عند البعض وتسدّها عند البعض الآخر.
أجل، الفتنة نائمة لكنّها أيضًا مُزهرة. ما هذه الكائنات الكثيرة الأوجه التي نتعامل معها؟ أحيانًا تكون طفلة مدلّلة في سرير من حرير، وأحيانًا تتحوّل إلى زهرة تتراقص مع الريح وينتشر شذاها في كلّ شارع.
الفتنة كسيّدة مجتمع
تخيّلوا معي أنّ الفتنة شخصية اجتماعية لبنانية. إذا دُعيت إلى عرس تصبح "أميرة الحفل"، يتهافت الجميع لتقبيل يدها. إذا جلست في مجلس سياسي، يبدأ النواب بتبادُل أبيات الشعر لمدحها. وإذا دخلت إلى البرلمان، يوقف الرئيس الجلسة ويقول: "يا جماعة، رجاءً، الفتنة بيناتنا…". أمّا إذا غابت يومًا، فتقوم الدنيا ولا تقعد. كلّ فريق يبدأ بنشر إشاعات: واحد يقول إنها سافرت إلى باريس، آخر يزعم أنها تحجّبت، وثالث يصرّح بأنها انتقلت إلى محور آخر! وهكذا يضيع الشعب وهو يحاول أن يعرف، هل نامت الفتنة حقًّا أم أنها فقط غيّرت الغرفة؟
زهرة الفتنة والبيئة اللبنانية
من الناحية البيئيّة، لا تحتاج زهرة الفتنة إلى تربة أو سماد. هي تنبت تلقائيًّا من تحت الأنقاض، من بين الديون، من عجز الكهرباء، ومن ملفات النفايات. كأنها تقول لنا: "أنا معكم في السرّاء والضرّاء". وللمفارقة، في كلّ مرّة يظهر مشروع إصلاحي صغير، سرعان ما تنبت زهرة الفتنة فوقه وتغطّيه بأوراقها الزاهية، فينسى الناس المشروع ويبدأون بالتقاط الصّوَر معها ونشرها على "إنستغرام".
بين السخرية والجدّ
في السياسة اللبنانية، الفتنة ليست خطرًا يلوح في الأفق فقط، بل هي أيضًا مورد رزق. الإعلام يعيش عليها، فكلّ نشرة أخبار تبدأ بهمهمة عن احتمال "إيقاظ الفتنة" وتنتهي بتحذير من "ضرورة وأد الفتنة". السياسيون أيضاً يعتاشون منها، يهدّدون بها ساعة، ويتوسّطون لتهدئتها ساعة أخرى، ليخرجوا في المساء كأبطال: "شوفوا كيف منعنا الفتنة من الاستيقاظ!". حتى المجتمع الدولي يرسل وفوده للتأكد من أنّ الفتنة تنام باكراً وتشرب حليبها الدافئ.
اقتباسات لبنانية
رئيس كتلة يقول: "نحن مع التهدئة وعدم إيقاظ الفتنة"، بينما عيونه تلمع كمن يراقب المنبّه ليتأكد من أنه سيقرع في الوقت المناسب.
وزير آخر يصرّح: "زهرة الفتنة لا بد أن نرويها بماء الحوار"، فيأتي زميله ليصحّح: "بل نرويها بماء التسويات". وثالث يقفز ليقول: "المهمّ أن لا نرويها بماء البحر لأنّ البحر إلنا".
أما الناس في الشارع فيختصرون المشهد كلّه بعبارة واحدة: "شو بدّنا بالفتنة؟ بدنا ننام مرتاحين لبكرا".
الفتنة بين النوم والزهور
هنا تأتي الحبكة الكاملة. إذا نامت الفتنة تظهر زهرتها، وإذا قُطفت الزهرة تستيقظ الفتنة. يعني نحن في حلقة مفرغة: إمّا نوم وإمّا عطر. ولا خلاص. فهل يجرؤ أحد أن يضعها في "غرفة عزل"؟. مستحيل، لأنّ كلّ فريق يريدها في صحن بيته، مثل نبات زينة.
العاشق الغيور
يخبرني أحد أصدقائي المخضرمين، أنّه كلّما سمع اسم "الفتنة" يشتعل رأسه بالغيرة، كأنّها فتاة يعرفها الجميع ولا يتركونه وحده معها لحظة. نعم لا أحد يتركه يحبّها على طريقته الخاصة، الكلّ يتدخّل بينه وبينها، إعلاميّون يحاصرونها بالميكروفونات، زعماء يلتقطون صور "سيلفي" معها، سفراء يرسلون لها باقات ورد رسمية. وهو؟ يقف عند الباب مثل عاشق مراهق لا يملك ثمن بطاقة دعوة.
يسرّ في أذني بأنه أحيانًا يتخيّلها تسير في شارع الحمرا بكامل زينتها، فيتدافع حولها المارة، يلتقطون لها صورًا ينشرونها على "إنستغرام": #الفتنة_مرّت_من_هنا. وهو يختبئ في الزاوية، يغلي غيرةً مثل إبريق شاي منسيّ على النار، ويتنهّد وهو يقول لي: "ليتني أستطيع أن أمسك يدها لدقيقة واحدة قبل أن يخطفها أحد آخر". والأغرب أنه يغار عليها حتى من الناس البسطاء، كلّ واحد صار عنده رأي شخصي بالفتنة، كأنها صديقة مشتركة: هذا ينصحها بالنوم، ذاك يطلب منها الابتعاد، وآخر يكتب لها شعرًا على "فايسبوك". وهو الذي أحبّها بصدق، لم يُتَح له سوى أن يكتب لها رسائل سرّية في دفتر قديم، ثم يخفيه كي لا يتّهموه أنه "عميل للفتنة".
يا جماعة، هو يريد حقّه كعاشق. إذا كانت الفتنة تملك عشرات العرّابين والوسطاء، فلماذا لا يحقّ له أن يكون عاشقها الوحيد؟ هو لا يطلب وزارة ولا مقعدًا نيابيًّا، فقط يريد أن يجلس معها في مقهى هادئ بلا حراسة، يشرب قهوته ويقول لها: "أتعرفين؟ كلّ هذا البلد يحاول امتلاكك، لكن أنا الوحيد الذي أحبّك من دون مصلحة". صديقي يتعذّب وأنا غيرتي منها تقتلني، لكنّ عشقي لها كزهرة ينعشني. ولولاها، ربما كنت متّ من الملل مثل باقي المواطنين.
الشعب المسكين
بين الفتنة النائمة وزهرتها، الشعب هو "حارسها الليليّ". يقال له: "انتبه لا توقظها"، وإذا عطس بالخطأ يتّهمونه بأنه عميل. وإذا صمت طويلاً، يقال له: "شو قصدك بالسكوت؟". فماذا يفعل؟. في النهاية ينام هو أيضًا على أمل أنّ أحدًا ما سيوقظه على خبر مفرح. الفتنة عندنا ليست كائنًا عابرًا، هي مقيمة إقامة دائمة، عندها دفتر عائلة وملفّ في وزارة الداخلية. بين نومها وزهرتها، بين الغزل السياسي والتهديد، بين الضحك والبكاء، تبقى الفتنة "النجمة" التي تسرق الأضواء في المسرحية اللبنانية. فيا ليتنا كنّا مثلها، مدلّلين، محميّين، ومهمّين. لكنّنا لسوء الحظ، مجرّد جمهور يُطلب منه أن يصفّق، ثم يعود إلى البيت ليُشعل شمعة بانتظار غدٍ أفضل قد يضيع ويأتي صوبنا.

