باتت سياسات ما بعد الحقيقة (Post-Truth Politics) معلمًا ثابتًا بخطاب الشعبويّة اليمينيّة المعاصرة بالعالم. فكّر مثلًا بكيف يقدّم فلاديمير بوتين حربه على أوكرانيا. يعلم أيّ مراقب نزيه أنّ بوتين شنّ عدوانًا على دولة سيّدة، وأنّ خلفيّة هذا العدوان رفض أيديولوجي لحقّ أوكرانيا بالوجود باعتبار أنّها خطأ تاريخي ينبغي إعادته للوطن الأم. هذه هي الوقائع الأساسيّة المجرّدة. ولكنّ خطاب بوتين يظهّر حربه الهجوميّة كمبادرة دفاعيّة ضدّ عدوان الناتو – بواسطة أوكرانيّة – على روسيا، ويشيطن الأوكرانيّين المدافعين عن بلادهم كنازيّين جدد. بهذا يصبح المعتدي معتدًى عليه، والمدافع عن بلاده يمينيًّا متطرّفًا. ويعطف بوتين كلّ ذلك على سرديّات تروّجها ماكينة الدعاية الروسيّة تعيد تأويل خرافات تاريخيّة وأساطير من القرن التاسع الميلاديّ كدلائل دامغة على حقّ روسيا "باستعادة" كييف إلى حضن موسكو، شاء أهلها أم أبوا.
فكّر أيضًا بدونالد ترامب. خسر هذا الرجل قبل سنوات منازلته الانتخابيّة مع جو بايدن. لم يبق مركز أبحاث، أو وسيلة إعلاميّة، أو خبير انتخابي، درس الأرقام، إلّا وأقرّ أنّ بايدن فاز فعلًا بأصوات غالبيّة الأميركيين بانتخابات نزيهة وتنافسيّة. ولكنّ ترامب أصرّ آنذاك، وهو مصرّ إلى الساعة، على أنّ الانتخابات تعرّضت لـ "السرقة"، وأنّه الفائز الحقيقي فيها. لاحقًا، أصرّ ترامب على مزاعم من نوع أنّ المهاجرين من هايتي يأكلون لحم الكلاب والقطط، وأنّ إدارة جو بايدن تسبّبت في أعلى نسبة تضخّم بتاريخ الولايات المتّحدة، وأنّ بلاده كانت تخسر قبل وصوله إلى السلطة ترليوني دولار سنويًّا بسبب غياب التعرفات الجمركيّة، وأنّها باتت تكسب يوميًّا ملياري دولار منذ فرضها هو، وأنّ شركة هوندا ستبني معملًا جديدًا لها بولاية إنديانا بسبب التعرفات، إلخ. لا يوجد دليل علمي واحد على صحّة هذه الأرقام؛ والدراسات الجديّة تنفيها من أساسها. ثمّ إنّ شركة هوندا نفت رسميًّا أنّها ستفتتح مصنعًا جديدًا بإنديانا. ولكنّ سيل تصريحات ما بعد الحقيقة مستمرّ.
حتّى لو سلّمنا جدلًا أنّ خداع الجماهير جزء من العمل السياسي بكلّ زمان ومكان، فلا بدّ من الملاحظة أنّ الشعبويّين المعاصرين أخذوه إلى مستوى غير مسبوق. سياسات ما بعد الحقيقة هي، من جهة، نتاج الأزمات المتعدّدة التي تعصف بالمجتمعات المعاصرة؛ ومن جهة ثانية، سبب من أسباب استمرار الأزمات إذ تفتح طريق الحكم لنخب نرسيسيّة، لا مبالية، غير جديرة، وبالعمق، مجرمة.
نصل إلى لبنان. يبدو لي أنّ الإطار النظري لفهم الخطاب الغالب عند المكوّن الشيعي هو هذا تحديدًا، عنيت أنّه خطاب ما بعد الحقيقة لجماعة تفكّر، وتتكلّم، وتتحرّك كرافد محلّي للشعبويّة اليمينيّة بالعالم. ووفق الخطاب الشيعي، يشارك عضو بـ "حزب اللّه" هو سليم عيّاش باغتيال رفيق الحريري، وتسقط بعده بالاغتيال السياسي ثلّة من رجالات البلاد، كلّهم معارضون لـ "حزب اللّه"؛ ولكنّ الشيعة هم المعتدى عليهم بلبنان، لا العكس. هذا وتسلّم النخب الشيعيّة قرارها، ومعه قرار البلاد كلّها لإيران، التي تورّط اللبنانيّين غصبًا عن غالبيّتهم بحرب إلى جانب بشّار الأسد، وأخرى إلى جانب "حماس"؛ ولكنّ عملاء الخارج هم أخصام الشيعة، لا الشيعة أنفسهم. ووفق هذا الخطاب أيضًا، يجلب حسن نصراللّه الدمار إلى الجنوب بحرب خاسرة لم يسأل رأي السلطات اللبنانيّة بها؛ ثمّ تكون النتيجة لاحقًا أنّ هذه السلطات "تتآمر" على الجنوب وتنسى معاناته. ووفق الخطاب الشيعي، زمن العزّ، والكرامة المستعادة، والانتصارات الإلهيّة، هو زمن الحكم الشيعي للبنان؛ دع عنك أنّ "انتصاراتنا" هزائم موصوفة، وأنّ السلاح الطارد للاحتلال استجلبه، وأنّ اللبنانيّين في "زمن العزّ" المفترض جلسوا على قارعة المنطقة، يراقبون صعود دبي، وأبو ظبي، والدوحة، والرياض، بينما يغرقون بالفقر، والفساد، والمديونيّة.
كلّ هذا مجرّد أمثلة. يمكن لواحدنا أن يكتب كتابًا عن خطاب ما بعد الحقيقة الشيعي. وأين المضحك – المبكي بما سبق؟ هو بالتالي: قبل عقود، قرّر التفكير اليساروي العظيم أنّ الشيعة بلبنان طائفة التغيير والتقدّم صوب الاشتراكيّة، باعتبارهم حاضنة البروليتاريا الثائرة على النظام لاستبداله بما هو أكثر عدلًا. دارت الأيّام دورتها لتكون النتيجة أنّ المساهمة الشيعيّة الحقيقيّة بلبنان هي استقدام خطاب ما بعد الحقيقة الشعبوي اليميني إلى بلادنا، علمًا طبعًا أنّنا نتكلّم هنا عن يمين محلّي أصولي ديني. مرحى بتحليلات اليسار، وتوقّعاته الصائبة دومًا.