جورج الأسد

البطريركان القدوة في اللُحمة والسلام

6 دقائق للقراءة

لله الحمد، فإننا نعيش في هذا الشرق وبيننا بطريركان لأنطاكية وسائر المشرق يمثُلان قدوة كاملة، ثابتة، لا بل مطلقة، للجميع.

هما رأس الكنيسة المارونية مار بشارة بطرس الراعي ومركزه في بكركي - لبنان، و رأس كنيسة الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي ومركزه في دمشق - سوريا مع تواجد متكافئ في البلمند - لبنان.


بشكلٍ قاطع، يتميُز خطابهما بالتفكير الوطني السليم، ويمتاز عملهما بكل ما يعزّز اللحمة في البلدان التي تضمّ أبرشيات تتبع لكرسييهما، ما يساهم بالتالي في الحفاظ على السلم الأهلي والتقدّم فيها.



منذ أن "مجد لبنان أُعطي له" جعل البطريرك الراعي همّه تصويب ما اقترفه ويقترفه السياسيّون من أخطاء بحق لبنان، وذلك من منطلق وطني جامع نتيجته المتوخّاة هي الخير العام لكل طوائف لبنان، ولجناحيه المقيم والمغترب.



لذا تراه منفتحاً على كل الزعماء الروحيين والزمنيين، كما أنه يشارك في كافة القمم الروحية، إن في صَرحِه أو في دور رؤساء الطوائف الأخرى.



وهو لا يتردّد في تسخير علاقته المتميُزة مع حاضرة الفاتيكان لخدمة لبنان بأجمعه، لما يتمتع به قداسة بابا الكنيسة الكاثوليكي العالمية من علاقات خارجية مؤثّرة لدى قادة الدول الكبرى و اللاعبة في منطقتنا.



ومنذ أن أعلن البطريرك الراعي "مذكرة لبنان و الحياد الناشط" في ١٧ آب ٢٠٢٠ انهالت السهام على مناداته هذه من القوى غير السيادية وأبواقها الاعلامية. وكلما أعاد غبطته النقاش الوطني اليها، يتلقّى وابلاً جديداً و بكل سعة صدر. ولقد درج بعضهم على التعرض له "بالشخصي" أيضاً، لكنه لم ينحدر يوماً إلى ذلك المستوى من الخطاب، بل قابله بالتسامح والمغفرة وبمدُ اليد لاقامة حوار إيجابي بنّاء.


في هذا كله، وفي يومياتنا الحاضرة، لا يزال البطريرك الراعي يعطي المثل الصالح والقدوة للبنانيين قاطبةً، و سلاحه الوحيد الكلمة التي ترضي الله، إذ أنه أبعد ما يكون عن التمنطق بأي سلاح ميليشيوي.


في الانتقال إلى البطريرك يازحي، فإن قدوته نابعة من دبلوماسيته الرفيعة و ترفّعّه الراقي في سبيل صون بطريركيته المغروسة في هذه الأرض المشرقية منذ القِدَم، وحماية تاريخها المشرّف المبني بالأساس على الإيمان المسيحي العام بوصايا الله العشرة التي أنزلها على النبي موسى، وأولها "أنا الرب الهك، لا يكن لك اله غيري"، و ضمان ديمومة انفتاحها على المسلمين الذين غدوا شركاؤها، و هي عدَّتهُم اخوانها، في هذه الأوطان المباركة.



منذ الأيام الأولى للنظام السوري الجديد ظهرت أجواء ملبّدة بينه وبين البطريرك يازجي امتدّت ظاهراً لأشهر ثمانية ونيف رغم مدُ البطريرك ليده له.


في أواسط شهر آب الجاري، وضُحَ للعيان أن الطرفين دخلا بفترة انفتاح وايجابية ملحوظة تكلّلت باستقبال الرئيس السوري أحمد الشرع لغبطة بطريرك انطاكية وسائر المشرق يوحنا العاشر يازجي في قصر الشعب في دمشق، أعقبه بيان رسمي "أنه جرى خلال اللقاء التأكيد على الدور الوطني للكنيسة في ترسيخ أواصر المواطنة والوحدة الوطنية".



لا بد أن الرجلين التقيا عن وعي تام وادراك عميق لما يُخَطَّط له من قِبَل قوى خارجية شرُيرة للطائفة والبلد، وللمنطقة برمتها. مثالاً على ذلك، البيان المشبوه والفتنوي الذي دار دورته في وسائل التواصل الاجتماعي عن التنادي لتأسيس ميليشيا مسيحية في سوريا.


فضلاً عن التسامح والمغفرة التي تصرّف بها البطريرك يازجي تجاه ما لاقاه من معاملة سابقاً، فإن هذا الرجل التقي والمتنور تحلُى بالشجاعة والكبر للتعالي على جرحه الشخصي في المصير المظلم الذي آل اليه شقيقه المطران بولس اليازجي، متروبوليت حلب والاسكندرون وتوابعهما للروم الأرثوذكس، اثر اختطافه في ٢٢ نيسان ٢٠١٣ مع متروبوليت حلب للسريان الأرثوذكس المطران يوحنّا ابراهيم، في المنطقة التي يعلم سيّد سوريا الجديد بخفاياها السياسية، و يعرف خليط تنظيماتها المتشعّبة التي تضمّ إلى منتسبين من أهل البلد عرباً وأجانب لا يمتّون بصلة لبلادنا وللعلاقات التاريخية بين مكوّنات الفسيفساء الديموغرافية لكل بلد منها.



لقد أعطى البطريرك يازحي بُعداً جديداً لتعبير "مستقيمي الرأي الإرثوذكسيين" نواته الجرأة التي لا تهاب الا الله سبحانه تعالى، والبصيرة التي تتمتّع برجاحة الفكر، والأعمال التي ترضي رب العالمين فقط لا غير، وذلك في سبيل تحقيق الخير العام عن طريق النهي عن البغض والتفرقة والعنف الذي يرذله الله.


ختاماً، وللتأكيد على ما سبق ذكره كنهج ثابت لكنائس هذا الشرق في الأخوّة الوطنية والتشارك بمصير واحد، نستلهم من السيرة الوطنية و السيادية اللامعة لسلف البطريرك الراعي، المغفور له غبطة البطريرك صفير. وبما أنها لا تزال حيُة في الذاكرة الحديثة، يسوٍغ هنا تعريف الأجيال الحاضرة بسيرة السلف الأسبق للبطريرك يازجي، المغفور له غريغوريوس الرابع حداد، ثاني بطريرك عربي اعتلى كرسي انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس من عام ١٩٠٦ حتى عام ١٩٢٨، وهو من مواليد قرية عبيه قرب عاليه في متصرفية جبل لبنان عام ١٨٥٩.



تؤكد موسوعة "ويكيبيديا" الإلكترونية ما هو معروف عن سيرته العطِرة بما يلي: "اشتهر غريغوريوس بموقفه من المجاعة التي ضربت بلاد الشام خلال الحرب العالمية الأولى، حين فتح أبواب المقر البطريركي في دمشق أمام المحتاجين من كل الطوائف" [هذا بعد أن أمر ببيع الأواني والمقتنيات الذهبية العائدة للبطريركية لتأمين هذه المساعدات الإنسانية لجميع الأخوة في الوطن]. وتتابع "ويكيبيديا": "ساند غريغوريوس الأمير فيصل بن الحسين [وهو من السلالة النبوية الشريفة] وبايعه ملكاً على سوريا عام ١٩٢٠. كما أيّد مطلب المؤتمر السوري العام بالاستقلال ورفض الانتداب الفرنسي". ولدى وفاته، "شَيَّع جثمان غريغوريوس الرابع حداد خمسون ألفاً من أهالي دمشق المسلمين والمسيحيين، وأطلقت المدافع مئة طلقة تحية للبطريرك الراحل، فيما رافق الموكب الجنائزي مئة فارس أرسلهم فيصل، بعد أن أصبح ملكاً على العراق. ووُري غريغوريوس الرابع الثرى في المدافن البطريركية المريمية بدمشق."


أملنا كبير بقدوة غبطة البطريرك بشارة بطرس الراعي وغبطة البطريرك يوحنا العاشر يازجي في الحكمة والحس المرهف بالمصلحة الوطنية العليا، أن تساند بلدان منطقتنا، ووطننا الحبيب لبنان بالأخص، في اجتياز مرحلة التغيّرات التاريخية التي نشهدها حالياً، والتي تشي بأحداث مصيرية قادمة ستطال مستقبل المنطقة بأجمعها لأجيال وأجيال.


 صاحب رأي سيادي مستقل