جويل غسطين

بين الشعر المكتوب والمغنّى

علي المولى يواجه شيطانه ويعيد إحياء شغفه

6 دقائق للقراءة

يطلّ الشّاعر علي المولى في كتابه الشّعريّ الذي أصدره أخيرًا، على متذوّقي الكلمة، بنصوص تأخذ القارئ إلى حوار داخليّ بين "الشاعر" و "شيطانه". المولى لا يرى "الشيطان" عدوًّا فحسب، بل مرآة يختبر عبرها الإنسان ضعفه وقوّته معًا. بالنسبة إليه، القدّيس ليس هو الرّاهب المتعبّد أو النّاسك البعيد من الحياة فقط، إنه أيضًا ذاك الذي ينجح في أن يهزم شيطانه الخاصّ، وأن يحافظ على أخلاقه وسط عالمٍ مضطرب يفقد إنسانيّته، يومًا بعد يوم.


"قدّيس في عصر إبليس"، كتاب من 33 قصيدة متنوّعة، تتنقّل مواضيعها بين الحبّ والدّين والسّياسة والمجتمع. بعض القصائد يحمل ملامح السّيرة الذّاتية، وأخرى تنطق بلسان الآخرين، كما في قصيدة تُحاكي طريقة تفكير "بائعة هوى"، أو نصّ شعري بعنوان "مع وقف التّنفيذ" يسلّط الضوء على رجل يأخذ المال من المرأة، وهو نمط غير مألوف في المجتمع الشرقي.



ترحيب إيجابيّ بعد مخاض طويل

العمل الشعري الذي يقدّمه ناظم الأغنيات المعروف علي المولى، لم يُولد فجأة. هو خلاصة مخاض سنواتٍ طويلة بدأ منذ العام 2011، كما يقول الشاعر لـ "نداء الوطن"، حين كتب في بداياته نصوصًا شعريّة مثل "أنا لست طائفيًّا" و "وطن بالهجرة"، قبل أن يكتب مؤخّرًا قصائد حديثة مثل "في الغرفة الأخرى".


ورغم ثقل المواضيع التي يتناولها المولى في كتابه، فإنّ وقعه على الجمهور كان مضيئًا. فقد لاقى صدًى واسعًا على منصّات التّواصل الاجتماعي حيث يعيد المتابعون نشر قصائده، لتتحوّل بذلك كلماته إلى أصداء تتردّد بين النّاس. والمفارقة أنّ النّقد السّلبي يكاد يكون غائبًا، في حين يحضر التّأثر العاطفي العميق الذي تتركه النّصوص لدى قرّائه.


بهذا المعنى، لا يبدو "قدّيس في عصر إبليس" مجرّد مجموعة شعريّة جديدة، بل محاولة وجوديّة للبحث عن النّقاء وسط العتمة، وعن الإنسان وسط الضّجيج. كتاب يضع القارئ أمام مرآته، ليذكّره أنّ القداسة ليست بعيدة المنال، بل تكمن في كلّ من ينجح، ولو لمرّة واحدة، في أن ينتصر على الشّر الكامن في النّفس البشريّة.



إعادة الشّعر إلى المسرح

على صعيدٍ آخر، وفي أمسيةٍ حملت روح الشّعر ووهج الموسيقى، عاد الشّاعر علي المولى ليقف على المسرح بعد فترةٍ من الغياب، مستعيدًا شغفًا يعتبره أصيلًا في مسيرته. بالنّسبة له، إلقاء الشّعر على المنبر، لا يشبه كتابة نصّ على ورق أو نشر قصيدة عبر مواقع التّواصل الاجتماعي؛ فالمسرح مساحة مواجهة مباشرة مع الجمهور، وعلى خشبته تتحوّل القصيدة من كلماتٍ إلى نبض يتشارك فيه الشّاعر مع الحاضرين.


المولى، الذي عرفه الجمهور شاعر أغنية، يصرّ اليوم على أنّ الشعر كان ولا يزال جوهر تجربته. هو الفنّ الذي رافقه منذ أيّام الجامعة، قبل أن تتراجع أمسياته الشّعريّة على حساب عالم الأغنية، ليعود من خلال اللّقاء الحيّ الذي جمعه بالجمهور في 16 آب الجاري، يشاهد صدى كلماته في عيون الحاضرين ودموعهم.


الأمسية التي شاركته فيها مجموعة من الفنّانين والعازفين هم غسان أبو حلتم، بسام شلّيطا، جهاد أسعد، ومحمد عُمري، شكّلت حالة وجدانيّة متكاملة. قصيدة "أمّاه" هزّت القلوب وأبكت الحضور بصدقها، فيما قصيدة "لا أستثنيك" حملت اعترافًا عاطفيًّا عميقًا:


"كفى تظهرين في كل امرأة أعرفها،

وتحبطين مسعاي في تخطّيك".


في المزج بين الشّعر والموسيقى والغناء، بدا المولى في تلك الأمسية وكأنّه يوقّع عهدًا جديدًا مع ذاته ومع جمهوره، خلاصته: أن يظلّ الشّعر صوته الأول، ومساحته الأصدق.



بين القصيدة والأغنية

يفرّق الشاعر علي المولى بين القصيدة والأغنية باعتبارهما شكلَين مختلفَين للتّعبير، لكلّ منهما خصوصيّته. فالقصيدة، كما يقول، تتيح للشّاعر مساحة أوسع لطرح أفكاره بعمق والتّعبير عن انفعالاته ومشاعره بلا قيود، لتأتي محمّلة بمعانٍ كبرى وتفاصيل أعمق.


في المقابل، تفرض الأغنية على الشاعر قانونًا مختلفًا، إذ لا بدّ من تكثيف الفكرة وحصرها في بضعة أسطر محدودة، ما يجعل الكتابة هنا أكثر صعوبة من حيث الإيجاز والدّقة. لأنّ المطلوب أن تصل الرّسالة سريعًا وبأقلّ عدد من الكلمات، من دون أن تفقد معناها الأساسي.


بهذا التّباين، يرى المولى أنّ القصيدة تمنح الشّاعر فسحة للتّأمل والبوح، فيما تجبره الأغنية على الاختزال، لتصبح التّجربتان معًا مساحتَين متكاملتَين للتّعبير، تختلفان في الشّكل لكنهما تلتقيان في جوهر واحد وهو الكلمة.



نجاحات وتحضيرات

يرى الشّاعر علي المولى أنّ محطّة بارزة شهدتها مسيرته في الشعر الغنائي، مع أغنية "كلنا مننجرّ" التي قدّمها للفنّان وائل كفوري (ألحان رامي شلهوب وجمال ياسين)، والّتي يعتبرها الأنجح بين أعماله. ويؤكّد أنّ رغم نجاح العديد من الأغنيات التي كتبها لاحقًا، إلّا أنّ أيًّا منها لم يحقق الصّدى التي حقّقته أغنية كفوري.


لكنّ المولى يستعدّ لتجارب جديدة، إذ يضع كلمات لأعمال غنائيّة مقبلة مع أسماء لامعة على السّاحة الفنية، من بينها إليسا، وجورج وسوف وآدم، على ما يكشف في حديثه معنا.



الشعر لن ينتهي

في مجال آخر، يرفض علي المولى فكرة أنّ الشّعر قد يفقد مكانته في زمن السّرعة والتّكنولوجيا، مؤكّدًا أنّ هذا الفنّ سيبقى حيًّا مهما تغيّرت الوسائط. ويشير إلى أنّ الإقبال على كتابة الشّعر، كما قراءته والاستماع إليه، لا يزال واضحًا، ما يعكس حاجة الإنسان الدّائمة إلى الكلمة العميقة التي تمنحه فسحة من التّأمل وسط ضجيج الحياة اليوميّة.


يضيف المولى، أنّه حتى لو افترض البعض أنّ الشّعر "مات"، فإنّه سيواصل كتابته لنفسه، باعتباره وسيلته الأصدق للتّعبير عن أفكاره ومواقفه بالطّريقة التي يراها مناسبة. بالنّسبة له الشعر ليس مجرّد فنّ، بل ضرورة وجوديّة ولغة شخصيّة لا يستغني عنها، سواء كان له جمهور واسع أو ظلّ حوارًا صامتًا مع ذاته.


هاجس الكلمة الصادقة

في مسيرة علي المولى، بين القصيدة والأغنية، يظلّ الشاعر الذي فيه، وفيًّا لهاجسه الأساسي: منح الكلمة صدقها، فتكون مرآة للإنسان في ضعفه وقوّته. من هنا، كتابه "قدّيس في عصر إبليس" وأمسياته الشّعرية، تبقى محطّاتٍ تؤكّد إيمانه بأنّ الكلمة الصّادقة وحدها قادرة على الصمود والبقاء وسط الضّجيج.



للحبّ قانون


للحب قانون

كن فيكون

من أوّل لمحة الأرواح

بعضها تَرى

وحديثٌ قالته عيون

في دمي سرى

نطق الشّكل بالمضمون

في كل عاقلٍ مجنون

إن أحبّ حُرِّر




غلاف الكتاب