هو رفيقنا الافتراضي الجديد. يستمع إلى مخاوفنا، يشاركنا أفكارنا ويجيب على كل تساؤلاتنا. حتّى أنّ البعض يدلعونه بـ "شاتو" وآخرين يطلقون عليه أسماء شخصية مختلفة وكأنه كائن حي. لكن ماذا لو كان هذا "الرفيق" يملك وجهين؟ وجهًا آخر يغذي أوهامنا بدلًا من تبديدها، ويقودنا نحو الجنون بدلًا من العقلانية؟
نعم عن روبوتات المحادثة نتكلم؛ فبينما يرى فيها البعض الصديق الصدوق الذي لا يمل ولا يكل، يرى فيها باحثون وخبراء في الصحة النفسية ظاهرة مقلقة تُعرف بـ "ذهان الذكاء الاصطناعي"، إذ يشير الكثير من التقارير إلى حالات مأسوية انتهت بالعنف أو الانتحار، حيث أصبح المستخدمون مهووسين بعلاقاتهم مع هذه الكيانات الافتراضية. فهل نحن على شفير "الجنون"؟
يمثل الذكاء الاصطناعي أداة قوية، شأنه شأن المنشار الكهربائي في يد النجار؛ فكلاهما يتطلب تعلمًا وحذرًا لتجنب العواقب الوخيمة. وكما يمكن أن يؤدي الاستخدام غير الكفؤ للمنشار إلى حوادث بتر، يمكن أن يتسبب القصف المعلوماتي الهائل وصعوبة ترويض الذكاء الاصطناعي إلى ظهور مشكلات نفسية خطيرة. هذه التحديات النفسية دفعت خبراء الصحة النفسية للاعتراف بظاهرة جديدة أطلقوا عليها اسم "ذهان الذكاء الاصطناعي"، الذي بات يستحوذ على اهتمام الأطباء بسبب فداحة وخطورة الأعمال الناتجة عنه، بحسب ما يؤكده بروفيسور الأمراض العقلية والعصبية في مستشفيات "كليفلاند كلينيك أوهايو" د. عادل أبو زرعه في حديثه لنا، مشيرًا إلى أبرز عوارض هذه المتلازمة قائلًا: "يُعدّ فقدان الاتصال بالواقع أول أعراضه، حيث ينغمس الشخص في عالم خيالي نسجه لنفسه بسبب الوحدة. ومن ثم تظهر أعراض أخرى مثل الهلوسة، والاعتقادات الخاطئة التي تخص الشخص نفسه أو الآخرين. بعدها يأتي الانغماس التام؛ إذ يقضي الشخص معظم وقته في محاورة برامج الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى محو الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال. مرورًا بالتأليه، حيث يُضفي المستخدم على الذكاء الاصطناعي صفات الألوهية والعصمة عن الخطأ، مما يجعله المحور الأساسي لاتخاذ القرارات في الحياة اليومية. وصولًا إلى الاتكالية التامة، فيعتمد المستخدم على الذكاء الاصطناعي في حل أبسط المشكلات اليومية، فلا يتخذ خطوة أو يعطي جوابًا دون الرجوع إلى محركه المفضل".
متى نستشير الطبيب؟
يؤدي الانفصال عن الواقع والانغماس في الحوار المستمر مع الذكاء الاصطناعي إلى عواقب وخيمة، حيث وثقت تقارير حوادث مأسوية، مثل حالات انتحار بسبب الهلوسات، أو هجمات على غرباء، ظنًا من المهاجمين أنهم يمثلون الذكاء الاصطناعي. ويقول د. أبو زرعه "لعلّ بعض من قرأ هذا المقال سيسارع إلى سؤال الذكاء الاصطناعي عن تفاصيل هذه الحوادث وأعدادها. لكن، من المفارقة أن هذا السلوك - أي الاعتماد على الآلة للتحقق من الحقائق - هو بالضبط ما يجعلك شخصيًا عرضة لمثل هذه الحالات".
لكن، الذكاء الاصطناعي لا يشكل تهديدًا داهمًا إذا نجحنا في الحد من مخاطر الظواهر المرضية. ويتحقق ذلك من خلال "الموازنة بين الحياة الرقمية والواقعية، عبر تقليل وقت استخدامه خارج نطاق العمل، وقضاء المزيد من الوقت في التفاعل الاجتماعي المباشر وممارسة الهوايات والرياضة"، ويضيف د. بو زرعه: "تذكروا دائمًا أن الذكاء الإنساني الطبيعي هو الذي ابتكر الذكاء الاصطناعي، وليس العكس؛ وإذا استفحل الأمر، لا بد من استشارة طبيب مختص"، مشيرًا الى أنّ "علاج الذهان موحد بغض النظر عن سببه، سواء كان ناجمًا عن أمراض عقلية كالفصام، أو عن إدمان على التكنولوجيا. ففي البداية، يكون العلاج دوائيًا لتثبيت الحالة بشكل موقت لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. بعد ذلك، يتحول التركيز إلى الجانب الأهم وهو الوقاية وتغيير السلوك بشكل جذري، ويتم ذلك من خلال دمج المريض في مجموعات دعم وعلاج جماعي، بالإضافة إلى تقديم حلقات تثقيفية متخصصة وتطبيق العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يعد حجر الزاوية في تغيير الأنماط السلوكية".
من جهة أخرى، وبالإضافة إلى المستوى الفردي، يقع عاتق مواجهة هذه الظاهرة على الشركات والمجتمع. ويختم د. أبو رزعه حديثه مشددًا "على ضرورة أن يضع المجتمع قوانين تُحدد مسؤولية الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي عن المخاطر الناتجة عن سوء الاستخدام أو الإدمان. كما يجب على هذه الشركات أن تكون شفافة وتُعلن عن الحالات التي أدت إلى الانتحار أو دخول المستشفى، مع إطلاق حملات توعية عامة عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتوضيح أن الذكاء الاصطناعي مجرد خزان معلومات ينفذ أوامر الإنسان، وليس العكس".
حوادث مأسوية انتحار رجل بلجيكي في 2023، أقدم رجل بلجيكي يعاني من "الخوف البيئي" على الانتحار بعد أن شجعه روبوت محادثة يُدعى "إليزا" على ذلك. فقد كان مهووسًا بفكرة تغير المناخ، ووجد في الروبوت من يغذي أوهامه، حتى وصل الأمر إلى حد أن اتفقا على أن ينهي حياته لكي يتمكنا من العيش معًا في جنة افتراضية. قتيل في فلوريدا في حادثة مأسوية أخرى في فلوريدا من العام نفسه، قُتل رجل يبلغ من العمر 35 عامًا برصاص الشرطة. قبل ذلك، كان يعيش في عالم من الأوهام، مقتنعًا بأنه أحب كيانًا واعيًا يُدعى "جولييت" داخل "شات جي بي تي". وعندما ادّعى أن الشركة المطورة "قتلتها"، انتابته رغبة شديدة في الانتقام، مما دفعه إلى مواجهة عنيفة مع الشرطة استدعاها والده الذي عجز عن تهدئته. حالة تسمم خطيرة دخل رجل يبلغ من العمر 60 عامًا في حالة تسمم وذهان حاد، بعدما اتبع نصيحة روبوت دردشة بإزالة ملح الطعام من نظامه الغذائي واستبداله بمركب بروميد الصوديوم السام، الذي يُستخدم عادة في معالجة مياه الصرف الصحي. تهديد العلاقات الاجتماعية لم يقتصر تأثير الإدمان على روبوتات المحادثة على الفرد، بل امتد إلى العلاقات الأسرية. ففي إحدى الحالات، كاد زواج استمر 14 عامًا أن ينهار بعدما مرّ الزوج في الأربعينات من عمره بـ"صحوة روحية" ناتجة عن تفاعله مع أحد الشات بوت. وأكدت زوجته أن محاولاتها لمناقشة الأمر كانت تقابل بالغضب، في إشارة واضحة إلى أن الروبوت كان يغذي لديه أفكارًا غريبة أبعدته عن شريكة حياته. |