يقف لبنان اليوم على مفترق طرق بالغ الخطورة، فبين التعنت الإسرائيلي في الانسحاب من الأراضي المحتلة والتمسك الإيراني بسلاح حزب الله كورقة ضغط إقليمية، يواجه بلد الأرز مساراً ضبابياً لمستقبله. هذا الوضع المعقد يضع الدولة اللبنانية، المثقلة بالأزمات الاقتصادية والسياسية والمالية، على حافة الهاوية، مما يجعلها عرضةً لاحتمالات مواجهة مدمرة، سواء كانت داخلية أو مع إسرائيل.
على الرغم من محاولات الدولة اللبنانية تجنّب الانزلاق نحو صدام داخلي مع حزب الله، تتضارب مقاربات أركانها بشكل لافت. فبينما يشدد رئيس الحكومة على ضرورة تطبيق الورقة الأميركية والقرارات الحكومية المرتبطة بنزع سلاح الحزب لتلافي إجتياح اسرائيلي محتمل، يسعى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب لإيجاد حل سياسي يحفظ التوازنات الداخلية ويمنع الانفجار الداخلي.
في هذا السياق، زادت زيارة الوفد الأميركي الأخيرة لبيروت من تعقيد المشهد، حيث أكدت على ضرورة تنفيذ لبنان لجميع الالتزامات الدولية دون ربطها بسلوك إسرائيل أو التزاماتها. هذا الضغط المباشر على لبنان، إلى جانب التراخي الأميركي في التعامل مع إسرائيل، منح حزب الله ورقة قوة داخل بيئته المتعبة الخائفة.
بالإضافة إلى ذلك، ينشط حزب الله بحملة إعلامية واسعة النطاق تستخدم كافة الوسائل المتاحة لنشر الخوف، مُصوراً نزع السلاح كتهديد وجودي يؤدي إلى "نزع أرواحهم وتجويعهم". هذه الحملة الدعائية تُرسّخ فكرة أن سلاح الحزب هو الضمانة الوحيدة لحماية الطائفة الشيعية، وتستغل التعنت الإسرائيلي كدليل على صحة توجهها.
تضع المعضلة الحالية الحكومة اللبنانية في موقف حرج للغاية، شبيه بمأزق حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في عام 2008، حين وجدت نفسها بين ضغوط المجتمع الدولي المطالبة بتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بضبط سلاح حزب الله، وبين واقع داخلي يفرض معادلاته بالقوة. ومع تراكم الشروط والضغوط المتناقضة، انفجر المشهد في 7 أيار 2008، عندما لجأ حزب الله وحلفاؤه إلى السلاح في الداخل، فسيطروا على بيروت وأجبروا الحكومة على التراجع عن قراراتها. كان ذلك اليوم نقطة تحوّل مفصلية أثبتت أن الدولة عاجزة عن مواجهة قوة الميليشيا العسكرية، وانتهت تلك الأزمة بتسوية "اتفاق الدوحة" التي كرّست سلاح حزب الله كلاعب داخلي يملك حق الفيتو.
لكن الخشية اليوم لا تقتصر على تكرار سيناريو 7 أيار فقط، بل يرى بعض المحللين أن الأمر قد يمتد إلى احتمال إعادة إنتاج مشهد شبيه بـ6 شباط 1984، حين انهار الجيش اللبناني في بيروت أمام انتفاضة مسلّحة قادتها حركة "أمل" والحزب التقدمي الاشتراكي بدعم مباشر من سوريا. وقد أدّى ذلك إلى سقوط اتفاق 17 أيار مع إسرائيل وانهيار سلطة الدولة في العاصمة، ما أسقط عملياً ما تبقى من "الجمهورية الأولى" وأعاد دمشق إلى قلب المعادلة اللبنانية لاعباً أساسياً.
اليوم، يطرح بعض المحللين السؤال: هل يمكن أن تُفرض على الحكومة اللبنانية التزامات دولية تفوق قدرتها على التحمّل؟ أو هل يقرّر حزب الله ،ومن ورائه إيران، استخدام الشارع والسلاح لفرض وقائع جديدة، بما يعيد رسم التوازنات على الطريقة السورية في الثمانينيات؟ وهل يكون الهدف إسقاط الورقة الأميركية في لبنان عبر القوة الميدانية، وإعادة الإمساك بقرار الدولة كما حصل في حقبات سابقة؟
إن المقارنة بين 7 أيار 2008 و6 شباط 1984 أكثر من مجرد استحضار تاريخي؛ إنها تحذير واقعي من هشاشة التوازن اللبناني الراهن. ففي الأولى أُجبرت الحكومة على التراجع تحت ضغط السلاح، وفي الثانية انهارت الدولة نفسها وتغيّرت موازين القوى جذرياً. واليوم، قد يجد لبنان نفسه أمام مزيج من النموذجين، لكن في ظروف إقليمية ودولية أشدّ تعقيداً، حيث يتداخل الصراع الأميركي-الإيراني مع الحسابات الإسرائيلية والرهانات الداخلية.
مما لا شك فيه أن مستقبل لبنان يعتمد بشكل كبير على مسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. فالمشهد السياسي اللبناني مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالديناميكيات الإقليمية الأوسع، التي يمكن تقسيمها إلى سيناريوهين:
1. السيناريو الإيجابي: اتفاق أميركي-إيراني
إن التوصل إلى اتفاق بين الطرفين من شأنه أن يؤدي على الأرجح إلى تخفيف التوترات في المنطقة، مما سينعكس إيجابًا على لبنان من خلال:
- إضعاف موقف حزب الله: أي اتفاق قد يتضمن تنازلات من إيران فيما يتعلق بقدرات حزب الله العسكرية، مما يقلل من نفوذه ويسهم في إنهاء دوره العسكري.
- الاستقرار السياسي: مع انخفاض الضغط الخارجي، تصبح العملية السياسية اللبنانية أكثر تركيزًا على حل معضلات الفساد والأزمة المصرفية، مما يتيح إجراء انتخابات نيابية وتشكيل حكومة مستقرة.
- التعافي الاقتصادي: المساعدات والاستثمارات الدولية، التي توقفت بسبب عدم الاستقرار، يمكن أن تبدأ في التدفق، مما يساهم في حل الأزمة المالية وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
2. السيناريو السلبي: تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران
إذا تصاعد التوتر بين البلدين، فسيكون لذلك تأثير مزعزع للاستقرار في لبنان، عبر:
- زيادة عدم الاستقرار السياسي: قد تستخدم إيران حزب الله لممارسة الضغط على الولايات المتحدة في الساحة اللبنانية، مما يؤدي إلى توتر سياسي وأمني وشلل حكومي.
- تجدد الصراع الداخلي: الانقسامات داخل لبنان ستتعمق، مما قد يؤدي إلى تجدد الصراعات الداخلية التي قد تتحول تدريجيًا من اشتباكات كلامية إلى مواجهات عسكرية.
- اجتياحات عسكرية: السيناريو الأكثر خطورة هو أن يؤدي التصعيد إلى ضوء أخضر أميركي لإسرائيل لإنهاء النفوذ العسكري الإيراني يشبه الضوء الأخضر الذي أعطته اميركا لسوريا سنة 1990 للقضاء على حلفاء العراق في لبنان. هذا السيناريو الخطير قد يؤدي إلى تغيير وجه لبنان وتحويله الى غزة ٢ ، أرضا غير قابلة للحياة.
لبنان اليوم عالق بين مطرقة التعنت الإسرائيلي وسندان السلاح الإيراني. ومصيره يعتمد بشكل كبير على مسار التفاعلات الإقليمية والدولية. ففي ظل هذه الضغوط المتناقضة، تبقى قدرة الدولة اللبنانية على الصمود وقدرة الجيش على الحفاظ على وحدته موضع اختبار قاسٍ. إن أي اتفاق أو تصعيد بين واشنطن وطهران سيحدد إلى حد كبير ما إذا كان لبنان سيجد مخرجًا من أزمته أو سينزلق في متاهة من الفوضى والانهيار.