ريتا عازار

ترسم العادي ببريق خاص

إيمي وِرنْتز تلتقط الصمت البليغ

6 دقائق للقراءة

ثمّة فنانون يُبهرون العين بِقوّة المَشاهد المدهشة، وآخرون يأسرون القلب بصدق نظراتهم الهادئة. تنتمي Amy Werntz إلى الفئة الثانية، فهي تتأمّل تفاصيل الحياة اليومية باعتبارها مشاهد تستحق التكريم، وتمنح أبسط المواقف مسحة من الكرامة والحنان.


وُلدت إيمي وِرنْتز في العام 1979، وتعيش في دالاس بولاية تكساس الأميركية. لم تبدأ مسيرتها المهنية وفي يدها فرشاة الرسم، بل تخرّجت في تصميم الديكور الداخلي من "معهد الفنون" في دالاس عام 2002، وعملت قرابة عشرة أعوام في تصميم المساحات التجاريّة والسكنيّة. لكن خلف المخطَّطات وعيّنات الأقمشة، كانت موهبة أخرى تنمو بصمت. ومع تباطؤ الاقتصاد في العام 2010 ورغبتها المتزايدة في التفرّغ للفن، اتّخذت قرارًا حاسمًا بترك عالم التصميم لتدخل دنيا المَرسم، مستبدِلة المنظور المعماري بآفاق أكثر حميميّة: وجوه البشر وإيماءاتهم.


فنّ اللحظة المعلّقة

عالم وِرنْتز هو عالم اللحظات العابرة، حيث يمكن لنظرة شاردة أو لقمة تُؤكل بغير اكتراث أن تصبح موضوعًا للتأمُّل. ترسم كبار السن في مطاعم الوجبات السريعة، أو قارئًا غارقًا في كتابٍ عند غروب الشمس، أو وجهًا حفرت فيه التجاعيد قصص السنين.

تنفّذ لوحاتها غالباً بالزيت على الألواح أو الأسطح المركَّبة، بِدقَّة شديدة أشبه بِدقّة صائغ المجوهرات، حيث يُمنح كل طيّ في القماش وكلّ ظلّ اهتمامًا بالغًا. ومع ذلك، ترفض وِرنْتز أن تحصر نفسها في إطار الواقعيّة الفوتوغرافيّة البحتة. فبينما يلفت عملها الأنظار بِدقَّته، فهو لا يسعى لمحاكاة الصورة الفوتوغرافيّة آليًا، بل يتغيّر أسلوبها وفق الشعور الذي تريد إيصاله، أحيانًا ناعم ودقيق، وأحيانًا مضاف إليه الكولاج أو الملمس الذي يكسر نعومة السطح ويدخل لمسة مادّية حيّة.


تقول: "أريد أن أُعطي لحظات الحياة العاديّة أهميّة". ويظهر ذلك جليًّا في أعمال مثل "الغداء" (2021) حيث تجلس سيدة مسنّة تتناول شطيرة تحت إضاءة موحّدة لمطعم سريع. لا يوجد هنا ما هو بطوليّ، ومع ذلك تلامس اللّوحة المشاعر، إذ تملك وِرنْتز القدرة على تحويل المألوف إلى شِعر بَصَريّ.


احترام الزمن وملامحه

في مجتمع مهووس بالشباب والجديد، يُعدّ اختيار إيمي وِرنْتز رسم الوجوه المُسنَّة أشبه بعمل مقاومة. تجاعيد الوجه، الانحناءة الطفيفة، اليدان المليئتان بالعروق، كلّها علامات لا تخفيها، بل تحتفي بها. وعلى الرّغم من أمانتها الشديدة في رسم الملامح، لا تفقد أعمالها الدفء والإنسانية، بل تبقي على لمسة الحنان التي تُشعر المشاهد بالاحترام تجاه الشخصيّة المصوَّرة.


تستلهم وِرنْتز أيضاً من صُور عثرت عليها بالصدفة، أو لقطات مجهولة الهويّة تحمل في ذاتها حكاية ما. تصف نفسها بأنها "مراقِبة جيّدة للناس"، وغالبًا ما تلتقط شخوصها في لحظاتٍ غير متكلّفة، حيث تعكس لغة الجسد المشاعر دون تصنّع.


توسُّع مستمر

منذ تفرّغها للرّسم، فرضت وِرنْتز حضورها في المشهد الفنّي في تكساس وخارجها. من أبرز معارضها الفرديّة لحظات عاديّة في صالة "فالي هاوس" بدالاس (2021)، وفي "مركز هول التاريخي للفنون" بمدينة ليك تشارلز (2023). وعام 2024، عرضت "ملاحظات عن الحياة" بـ "مارتن ماكدونالد غاليري" في لوبوك، حيث واصلت استكشاف جمال التفاصيل اليومية، وكأنّ كلّ لوحة توقف عقارب الزمن. كما شاركت في معارض جماعيّة متعدّدة، من صالونات محليّة إلى فعاليّات وطنيّة مرموقة مثل "رسم الجسد الآن" في "متحف واساو للفن المعاصر". ويؤكّد تكرار اسمها في فعاليات الاحتفاء بالواقعية المعاصرة، أنّ أسلوبها يجد صداه لدى جمهور واسع.


جائزة بينيت وتتويج الرؤية

على الرغم ممّا حقّقته من إنجازات، جاء المنعطف الأكبر في مسيرتها في العام 2025 بفوزها بـ "جائزة بينيت" إحدى أرفع الجوائز العالمية المخصّصة للرسّامات الواقعيّات المعاصرات، وقيمتها 50 ألف دولار. الجائزة لا تكافئ المهارة الفنية فحسب، بل أيضًا الرؤية والاتساق الإبداعي.


لم تكن هذه أول مرّة تشارك فيها في المسابقة، فقد كانت ضمن النهائيات في العام 2021، ثم عادت بِقوّة بعد أربع سنوات بمجموعة لوحات تحمل بصمتها المعهودة: كرامة كبار السن وعمق ملامحهم. أعمال مثل "رجل كيمبيل" (2022) و "كارلايلا" (2024)، تجسّد فنّها خير تجسيد، حيث تبدو الشخصيات مألوفة وكأنّ المشاهد يعرفها شخصيًّا. أشاد الحكّام بقدرتها النادرة على الجمع بين الإتقان الفني والعمق الإنساني، ومنحوها الجائزة تقديرًا لصدق رؤيتها واستمراريّتها بعيدًا عن الصخب البصري.


فنّ يربط بين البشر

توفّر "جائزة بينيت" للفائزة، معرضًا فرديًّا متنقِّلًا في الولايات المتحدة الأميركيّة، ما يتيح لإيمي وِرنْتز توسيع حوارها مع جمهور متنوّع ثقافيًّا وجغرافيًّا. وهذا الحوار هو جوهر عملها: تقديم صُور مفتوحة التأويل، وحكايات صامتة يملأها المُشاهد بما يراه من معانٍ.

في عالم غارق بالصُّور السريعة والقصص الزائلة، تسير وِرنْتز عكس التيّار، داعيةً المُشاهد إلى التمهّل والتأمل، ومشاركة أنفاس شخصياتها. لوحاتها لا تصرخ، بل تهمس، وربّما لهذا السبب تبقى في الذاكرة طويلًا.


الجمال كنوعٍ من الاعتراف

الحديث عن فن إيمي وِرنْتز هو حديث عن لوحة تُعيد الاعتبار لِما هو أمامنا دومًا لكننا نتجاهله. فهي لا تختار مواضيعها لغرابتها بل لصدقها البسيط. كلّ تجعيدة وكلّ حركة وكلّ قماش مجعّد، يُعامل باحترام يمنح المشهد العادي مسحةً من القداسة. وبفوزها بـ "جائزة بينيت"، لا تنال وِرنْتز مجرّد اعتراف مؤسّسي، بل تُثبت أنّ نظرتها الصبورة للعالم، المحترمة والعميقة الإنسانية، وجدت مكانها المستحقّ في الفن المعاصر. وإذا بدت شخصياتها غارقة في التفكير، فربما لأنها تدرك أنّ هناك من لا يزال يراها حقًّا.

إيمي وِرنْتز لا ترسم الوجوه فحسب، بل تستكشف أيضًا المناظر الداخلية للعمر والزمن. مدفوعة بما يمكن تسميته بـ "هَوَس الزمن"، سواء كان ذلك الخوف من مروره أو الشعور بعدم العيش في اللحظة المناسبة، تنقل في بورتريهاتها ثقل، وكذلك جمال، اللحظات العادية المجهولة في حياتنا اليوميّة.


وفي مقابلة، تكشف وِرنْتز عن طريقتها. تبحث عن تعابير "لا تحدّد بوضوح شعورًا معيَّنًا"، بحيث يتمكّن المُشاهد من إسقاط ذكرياته الخاصة ومشاعره عليها. بالنسبة لها، تُعتبر اللوحة ناجحة عندما تتمكن من إحداث صدى داخلي لدى من ينظر إليها.

اختيارها شخصيّات مُسنّة هو خيار جمالي وسياسي في آن واحد. تراهن وِرنْتز على الاحتفاء بهؤلاء الذين يتمّ تهميشهم غالبًا في ثقافتنا المهووسة بالشباب، وهي مقاربة تصفها أحيانًا بالناشطة، حتى وإن كانت تفضّل رؤيتها كاعتراف بسيط بالكرامة والجمال المتأصّلين في العمر. في مواجهة هذه الثقافة الشابّة، تقدّم وجوهًا تحمل تاريخها، تجاعيدها، هيئاتها، فيلمًا صامتًا للزمن المُعاش. وتشير إلى أنّ بعض الأشخاص عند رؤيتهم للوحاتها، قد يشعرون بدايةً بعدم ارتياح، لأنّ العمر غالبًا ما يُرى كقبح، بينما يجد آخرون فيها على الفور صورةً لشخص قريب منهم. هذا التباين يُبرز مدى قدرة أعمالها على إثارة التفكير حول علاقتنا بالعمر والجمال.