إلهي ما أذكاني، أنا المتثائبة الدائمة قرأتُ في مجلة علميّة طازجة من الأسبوع الماضي، عن سرّ عدوى التثاؤب. تضحكون عليّ؟ حسنًا! هل سألتم أنفسكم يومًا لماذا عندما يتثاءب صديق لكم في سهرة، تجدون أنفسكم بعد ثانيتَين تفتحون أفواهكم وكأنها بوّابات مطار دولي؟
لدى العلماء جواب قد يبدو لكم كالمزحة: التثاؤب ليس مجرّد إعلان رسمي عن الملل، بل وسيلة عبقرية لجعل المجتمع كلّه يدخل في وضع "النوم الجماعي"، وكأننا فرقة موسيقية لكن بنسخة "شخير".
فكرة أنّ التثاؤب "مُعدٍ"، مردُّها أنه يساعد على تزامن نوم المجموعة واستيقاظها. يعني، لو أنّ أحد الأبطال في القبيلة قرّر أنه بحاجة ماسّة للنوم، يبدأ مسلسل "عدوى التثاؤب"، وفي النهاية يجد الجميع أنفسهم على الفرش (أو الأشجار) في الوقت نفسه، والكلّ يستيقظ معًا لصيد الغداء. كأنها خاصيّة "Synchronize" قديمة قبل ظهور البلوتوث.
اختبار الشمبانزي
العلماء البريطانيون قرّروا اختبار الفكرة مع الشمبانزي. عرضوا لها وجهًا اصطناعيًّا يتثاءب، فماذا حدث؟ تفاعلت الشمبانزي فورًا وبدأت تتثاءب، وبعضها أخذ الأمور على محمل الجدّ وصنع سريرًا بدائيًّا وتهيّأ للنوم. وكأنّ الوجه البلاستيكي قال لها "أطفئوا الأنوار يا شباب!".
الأمر يزداد طرافة عند البشر. "عدوى التثاؤب" تبدأ من سنّ الرابعة، أي حين يبدأ الطفل في فهم العالم الاجتماعي. أمّا في الدماغ، فالموضوع مرتبط بالتعاطف و "العصبونات المرآتيّة". يعني، نحن نتثاءب لأننا "نحسّ" بالآخر. يا للإنسانية! حتى التثاؤب نوع من التضامن الاجتماعي.
والطريف أنّ الدراسات وجدت أنّ البونوبو (الشمبانزي القزم) تتثاءب أكثر عندما تتثاءب الأنثى الزعيمة، بينما الشمبانزي تنجذب لتثاؤب الذكر المهيمن. يعني، حتى عالم القردة فيه "تثاؤب سياسي": الزعيم يتثاءب = الشعب كلّه يتثاءب.
أداة استراتيجيّة
يبدو أنّ التثاؤب المعدي عمره ملايين السنين، وأنه ساعد أجدادنا على البقاء معًا في أمان. واليوم، بدل أن نحتمي من الأسود، نجد أنفسنا نتثاءب الواحد تلو الآخر في الاجتماعات المملّة. ربّما هذه أيضًا وسيلة طبيعية للبقاء على "قيد العقل".
بدايةً، دعونا نتّفق على أنّ التثاؤب ليس بريئًا كما يظنّ البعض. هذا الفعل البسيط، الذي يبدأ بفتحة فم صغيرة بريئة سرعان ما تتحوّل إلى كهف سحيق، قد يكون أكبر وسيلة سيطرة عرفتها البشريّة، سبقت اختراع "المنبّه" و "قهوة الإسبريسو". تقول الدراسات إنه مُعدٍ. لكنني أقول إنه ليس معديًا فقط، بل قد يكون أداةً استراتيجية تُستعمل للتحكّم بالشعوب، وتعطيل الاجتماعات، وإفشال المحاضرات، وحتى لنشر الفوضى في حفلات الزفاف الطويلة.
الزعيم والأمّة
إذًا، تقول الأبحاث العلمية إنّ الشمبانزي تتثاءب عندما يتثاءب الذكر المهيمن. ممتاز! فماذا عن البشر؟ ألسنا مثلها؟ ألن ينهض أحد ويخبرنا لماذا كلّما فتح مسؤول فمه لخطاب، نفتح نحن أفواهنا ليس للتصفيق، بل للتثاؤب الجماعي؟ قد تكون هذه هي الديمقراطية الحقيقية. الشعب يقلّد قائده، حتى في فتح الفم، بل ربّما هذه العدوى وسيلة الزعماء لقياس شعبيّتهم: كلّما زاد عدد الأفواه المفتوحة زاد الإحساس بالإنجاز.
في المؤتمرات الدولية
تخيّلوا معي مشهدًا في الأمم المتحدة: ممثّل دولة يتكلّم على أزمة المناخ بجديّة، فإذ بكاميرا التلفزيون ترصد دبلوماسيًّا في الصف الثالث يتثاءب. في لمح البصر، تصاب نصف القاعة بالعدوى. وهكذا تنتهي القمّة بقرار جماعي: "فلنؤجّل النقاش، لأننا جميعًا نشعر بالنعاس". من يدري؟ ربما سبب عدم حلّ مشاكل العالم ليس الصراعات السياسية، بل فيروس التثاؤب الذي يضرب المفاوضات!
حرب نفسية
لماذا تُنفق المليارات على الطائرات المسيّرة والأسلحة النووية، بينما لدينا سلاح بيولوجي طبيعي هو التثاؤب؟ يكفي أن نرسل جاسوسًا مدرَّبًا على التثاؤب في اجتماع للعدو، وسرعان ما يصبح قادته نصف نائمين، ثم نتقدّم نحن في المعركة. لمَ لا نستغلّ هذه النعمة؟ هل يعقل أنّ القرود سبقتنا في ذلك؟ الشمبانزي تفرض هيبتها بتثاؤبها، ونحن ما زلنا نبحث في مؤتمرات عن "إصلاح مجلس الأمن".
من جحيم التثاؤب
• في قاعة الدراسة، يقرّر الأستاذ أن يبدأ شرح "معادلات فيثاغورس". بعد خمس دقائق، يتثاءب طالب واحد في الخلف، فجأة تتحوّل القاعة إلى فرقة موسيقية، كلّ طالب يعزف لحنه الخاص عبر فتح الفم. النتيجة؟ لا أحد يتذكّر الدرس، لكنّ الجميع يتذكّرون أنهم كانوا جائعين وكسالى.
• في حفلات الزواج، هل لاحظتم أنّ التثاؤب يبدأ بالانتشار بعد الساعة الحادية عشرة؟ يبدأ بعريس متعب، ثمّ ينتقل إلى عروسه المسكينة، ثم إلى والدة العروس التي كانت تخطّط لرقصة "الدّبكة"، فإذا بها تجرّ قدميها وتجلس. وهكذا ينهار العرس لا بسبب انقطاع الكهرباء، بل بسبب "مؤامرة التثاؤب".
• في الاجتماعات الإداريّة التثاؤب ليس عارضًا. إنه احتجاج صامت. كلّ موظّف يعرف أنّ رفع اليد قد يكلّفه حسمًا من الراتب، لكن فتح الفم لا يحاسب عليه أحد. وهكذا تتحوّل الاجتماعات إلى مهرجان تثاؤب جماعي يُسجّل في محضر رسمي كدليل على "التفاعل".
الحبّ والتثاؤب
يقال إنّ الحبّ عدوى. لا، فالتثاؤب عدوى أقوى! جرّب أن تتثاءب أمام حبيبتك. إن لم تقلّدك، فاعلم أنّ العلاقة مهدّدة. العلماء يتحدثون عن دور "العصبونات المرآتية" في التعاطف. وأنا أقول لك: إذا لم تتثاءب معك، فهذه ليست "عصبونات مرآتية"، بل جدارً أسمنتيًا عازلًا للعاطفة. أليست أجمل لحظة رومانسية، هي عندما يتثاءب اثنان في وقت واحد ثم يبتسمان بخجل؟
بيزنس المستقبل
أقترحُ على رجال الأعمال إنشاء قنوات تلفزيونية متخصّصة في بث مقاطع أشخاص يتثاءبون، ستصبح أكبر وسيلة لجعل الناس يذهبون للنوم باكرًا. يمكننا أيضًا اختراع "تطبيق تثاؤب" للهاتف، يرسل لنا إشعارًا بالفيديو يقول: "شاهد الآن وتثاءب معنا". صدّقوني، سيكون مربحًا أكثر من تطبيقات اللياقة البدنيّة!
في السياسة الداخلية
في الحملات الانتخابية، يجب أن ننتبه: المرشّح الذي ينجح في نشر التثاؤب بين الحضور يكون أخطر ممّا نتصوّر. ليس لأنه مملّ، بل لأنه قادر على التحكّم بجماهيره بلا شعور، كلّنا نعتقد أنّ "الكاريزما" تكمن في الصوت أو الابتسامة، بينما هي في التثاؤب. وأنا أقترح أن نضيف خانة جديدة في استمارة الترّشح: "هل تتقن فنّ التثاؤب المعدي؟".
في الفضاء
روّاد الفضاء يعانون من الوحدة. الحلّ؟ إرسال تسجيلات فيديو لروّاد آخرين يتثاءبون، فيصبح الفضاء أكثر ألفة. لكن تخيّل الكارثة إذا أصيب جميع الروّاد بالعدوى في وقت واحد، وقرّروا النوم وتركوا المكّوك يدور بلا تحكّم! قد يكون هذا هو السبب الحقيقي لاختفاء بعض الأقمار الصناعية. نعم إنه حادث تثاؤب جماعي.
المؤامرة الأخيرة
تقول الدراسات إنّ التثاؤب ظهر منذ 8 ملايين سنة، لكن من يضمن لنا أنه لم يكن مشروعًا سريًا للأجداد، لتدبير النوم الجماعي وحماية القبيلة؟ ربما كانت أول خطّة دفاعيّة للبشريّة، هي أن "ينام الجميع في الوقت نفسه"، كي لا يتسلّل العدوّ. وإذا كان الأمر كذلك، فالتثاؤب ليس مجرّد فعل بيولوجي، بل هو "اتفاق أمني قديم" وقّعته القردة العليا مع الإنسان.
نحن ضحايا فتحة الفم
قد نضحك على الأمر، لكنّ الحقيقة أنّ حياتنا كلّها، تتحكّم بها هذه الحركة البسيطة، إنها أكثر ديمقراطية من الانتخابات، أكثر عدوى من الإنفلونزا، وأكثر تأثيرًا من ألف خطاب سياسي.
المرعب في الأمر أنني وأنا أكتب هذا المقال، بدأتُ بالتثاؤب ثلاث مرات. والأسوأ أنكم أنتم أيضًا، يا قرّائي الأعزاء، على الأغلب، فتحتم أفواهكم الآن. مبروك! لقد وقعتُم في الفخ!.