ريتا عازار

مواقف مربكة تتحول إلى رومانسية كوميدية

الحَرَج أيضًا يقع في الحب

6 دقائق للقراءة

ثمّة لحظات في الحياة نقول فيها: "لا، هذا يحدث فقط في الأفلام!"، ومع ذلك لا يتطلّب الأمر سوى رسالة نصيّة قصيرة واحدة مرسَلة إلى الرقم الخطأ، أو طرد مفقود، أو مصعد مسدود حتى يطرق القَدَر الباب بابتسامة ماكرة. تُذكِّرنا القصص الرومانسية غير المحتمَلة هذه، وكلّها حقيقية وموثقة في الصحافة والأبحاث، بأن الحب يتمتع أحيانًا بروح الدعابة المثيرة للقلق. إليكم جولة حول العالم من اللقاءات الغريبة ولكن الرقيقة، حيث يصبح كلّ حَرَج مُحرِّكًا لقصة تنتهي بشكل لذيذ.

تخيّلوا المشهد الذي حصل في كاليفورنيا عام 2003: امرأة تبعث برسالة: "أنا واقفة قدّام بيتك"، إلى الرقم الخطأ. في العادة، نتصوّر أن الموضوع ينتهي عند هذا الحدّ، مع قليل من الإحراج وربما درس في مراجعة الأرقام قبل الإرسال. ولكن أحيانًا، الخطأ البسيط يفتح بابًا جديدًا. الرجل يتلقى الرسالة ويردّ بلطف، فتتوالى الرسائل بينهما من موقف محرج إلى ضحكات متبادلة، ويجرّهما الفضول خطوة بخطوة إلى التعرّف أكثر. لقاءات بسيطة تتحوّل إلى صداقة، ثم إلى قصة حب حقيقية تُوِّجت بالزواج، كما وثقته "BBC News" و "The Guardian". وكأن الحياة تقول لنا إنّ خلفَ كلّ غلطة فرصة تنتظر من يلتقطها: "يلا مدّوا إيدَيكن بسرعة".

حتى في زمن الجائحة، ظل العالم الرقميّ ساحة للمصادفات العجيبة، اجتماع "Zoom" في أميركا، أُدخل شخصان غريبان بالخطأ إلى المكالمة ذاتها. بدلًا من الإحراج أو الانزعاج، بدآ الحديث وضحكا على الموقف، ثم التقيا خارج الشاشات، وتحوّلت الغلطة الرقميّة إلى حبّ مستمر، كما ذكرت "BBC News" في العام 2020. كلّ هذه القصص تؤكّد أن الحبّ لا يحتاج سيناريو مثاليًا، أحيانًا يكفي خطأ صغير وفضول بسيط لإشعال شرارة جديدة في الحياة الرقميّة. "الله يرزقكن شي غلطه رقميّي ع الفالانتاين".


الأعطال وروعة المفاجآت

من يظن أن المصاعد المعطلة مجرّد مصدر للإزعاج لم يجرِّب حظ القَدَر. في برلين عام 2012، شخصان علقا معًا أكثر من ساعتَين في مصعد صغير. في اللحظات الأولى توتر وخجل، بعدها ضحكات متقطعة وحديث شخصي عميق بسبب العزلة والإجبار على البقاء، تبادلا الأرقام، ثم اجتمعا مجدّدًا، وتحوّلت العلاقة إلى قصة رسميّة موثقة في "Der Spiegel" و "Le Monde". وربّما هما يحتفلان بحبّهما كلّ عام في مصعد مختلف، فالمصعد الذي كان مصدر إزعاج تحوّل إلى نقطة بداية لعلاقة غير متوقعة.

وفي شيكاغو عام 2018، جمع مصعد آخر شخصَين وكلبًا ونبتة ضخمة. الموقف كان غريبًا لدرجة الضحك، لكن النتيجة كانت زواجًا سعيدًا. كلّما ازداد الموقف غرابة، بدا أن الحبّ يجد مساحة أكبر للنموّ والازدهار وسط الفوضى، "ونحنا بلد الفوضى أبشروا!".

وسائل النقل أيضًا تحمل نصيبها من المفاجآت القدرية، ففي لندن عام 2016، جمعت سيارة أجرة شخصَين غريبَين في رحلة إلى الوجهة عينها. بدلًا من الضيق أو التوتر، تمشيا معًا، وتحوّل الحديث البسيط إلى بداية علاقة طويلة. حتى إضرابات القطارات في فرنسا وإنكلترا عام 2017، رغم انزعاج المسافرين، وفرت فرصًا لمحادثات غير متوقعة وضحك وتعارف جديد (Le Monde, The Independent).

وحتى انقطاع التيار الكهربائي في مقهى باريسي في عام 2019 تبيّن أنه يفضي إلى الرومانسية، مشاركة ضوء الهاتف، والتبادلات المحرِجة، والضحك، السواد يصبح نورًا، والحَرَج يصبح حنانًا. (Le Monde، تقرير "الحياة العادية"). يبدو أن الكون يحبّ تحويل اللحظات غير المريحة إلى قصص حب، "ونحنا مش قليلي شو بتنقطع الكهربا... الله يكتّر الغرام بالظلام!".


طرد ضاع 

من يظن أنّ الأشياء لا تملك ذبذبات، لم يسمع مئات القصص التي تبدأ من غرض ضاع أو طرد وصل إلى عنوان خاطئ. في أميركا عام 2010، كلب يهرب من بيت أصحابه ويدخل بيت الجارة. يبدأ الحوار لاسترجاع الكلب، ثم موعد بسيط لمراقبته، وأخيرًا علاقة جديدة بدأت من ضياع عابر إلى لقاء دائم (The Washington Post). "مين متلي عم يفكر يتبنى حيوان أليف وظريف؟".

وفي نيويورك، طردٌ يصل إلى شقة غير مقصودة، وفي فرنسا حقيبة تتبدّل في القطار، يلتقي الطرفان لإرجاع الأغراض، ويضحكان على الخطأ، وتبدأ القصة من هناك (The New York Times, Le Parisien). حتى مظلّة مفقودة تحت المطر أو سجادة يوغا وصلت بالخطأ، صارتا مفتاحًا لعلاقة جديدة (BBC World Service, The Washington Post). "يلا سجادة يوغا ضايعه ولا عشر رجال ع الشجره".

أصبح الخطأ، تقريبًا، وسيلة عصرية للتعارف. خطأ يخلق فرصة، ابتسامة عابرة تفتح بابًا، والفضول يحوّل لحظة عادية إلى مغامرة رومانسية. من كان يتوقع أن طردًا أو غرضًا ضائعًا يمكن أن ينافسا تطبيقات المواعدة في صناعة القصص الجميلة؟. "وأنا حتى تطبيقات المواعدة مش مجرّبتها".


حب من رحم الصراعات

الحبّ يحبّ أيضًا المناقشات الحيوية. ففي عام 2012، اختلف اثنان من المساهمين الناطقين باللغة الإنكليزية على "ويكيبيديا" حول مقال تاريخي. تمرّ الأسابيع، وتتراكم التصحيحات المتبادلة... وأخيرًا تنتقل إلى الرسائل الخاصة "لتوضيح الخلافات". المناقشات الفكرية، التواطؤ، اللقاء في الحياة الواقعية، كل ذلك يولّد زوجَين من صراع يبدو عقيمًا (مجلة Wired و The Atlantic).

ومن مدّة قريبة، مستخدمان في "منتدى ما بعد الانفصال" تبادلا المزاح والسخرية من حبيب سابق سامّ، ضحكا معًا، والتقيا في الواقع، وبدأت قصة حبّ جديدة. في بعض الأحيان، تكون الفكاهة والنقد محفزات أقوى من المجاملات أو النظرات المغرية (مجلة الاتصالات عبر الكمبيوتر، 2016).

من المدهش فعلًا أن الخلاف يمكن أن يكون شرارة للجذب، وأن نقاشًا حول موضوع جاف أو حتى نقد ساخر قد يتحول إلى بداية علاقة دافئة، وكأن الحب يجد في الجدل طريقًا مختلفًا لينمو. "بكرا رايحه ع القهوه إتجادل مع كل حدا حلو ولحالو".


العبث محفز للحنان

من خلال هذه القصص، تظهر الدوافع، العبث والحرج هما شريكان غير متوقعَين للحب. سواء كانت رسالة نصيّة قصيرة مرسَلَة عن طريق الخطأ، أو مصعدًا مسدودًا، أو طردًا جرى تسليمه بشكل سيّئ، أو نزاع عبر الإنترنت، أو قهوة سيّئة التقديم، فإن هذه المواقف تتطلب تفاعلات، وتخلق فرصًا للضحك وتسمح للناس باكتشاف بعضهم البعض الآخر.

غالبًا ما يولد الحنان في تلك اللحظات التي يبدو فيها المنطق غائبًا، يميل البشر بطبيعتهم إلى التعاطف والمشاركة والضحك، وعندما تحدِّد الصدفة هذه الشروط، ينشأ الحب حتمًا. يبدو الأمر كما لو أن الحياة نفسها كانت تنظِّم مسرحيّات صغيرة لتقريب القلوب. "آخ يا قلبي". 


ابتسموا للأخطاء

إذا كان على المرء أن يلخص كلّ هذه القصص، فسيكون الأمر كما يلي: الأخطاء والارتباكات والأحداث غير المتوقعة ليست عقبات بل دعوات إلى التلاقي. يمكن أن يكون القَدَر مُحرِجًا، وسخيفًا في بعض الأحيان، ولكنه دائمًا رقيق، ألا تُذَكِّرُكم هذه الحكايات أن الحب يحبّ ما هو غير متوقع، ويحبّ الحماقات، والضحك المشترك. لذا، في المرة المقبلة التي ترسلون فيها رسالة نصيّة إلى رقم خاطئ، أو تفتحون طردًا غير موجّه لكم، أو تعلقون في المصعد أو حتى في التلفريك، تذكّروا أنكم قد تكونون على بعد خطوة واحدة من قصة تروونها بالنجوم في عيونكم "وعقبال كل يلي مضيّع فالنتينا أو فالنتينو يلاقيه بشي طرد أو بشي أسانسور".