شربل الترس

في ذكرى الإمام المغيب...ماذا لو قاد موسى الصدر شيعة اليوم

7 دقائق للقراءة

مع اندلاع شرارة الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، انشغلت الأطراف السياسية في لبنان بالتسلح والشحن الطائفي، فيما اختار رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الإمام موسى الصدر، أن يعتصم في مسجد الصفا في مدينة بيروت، متعبدًا، صائمًا، مواجهًا بذلك الفتنة، وداعيًا الجميع إلى وقف الحرب ونزع فتيل الحرب الداخلية، محذرًا من العبث بمصير العباد، من خلال وضع حدّ للعنف الدائر صونًا لوحدة البلاد. وبعد اعتصامٍ دام خمسة أيام دون أي جدوى، توجه الإمام الصدر إلى قرى القاع ودير الأحمر في البقاع لفك الحصار عنها ومحاولا وأَد الفتنة الداخلية التي كانت تهدد المنطقة ولبنان بأسره.


لم تكن المرة الأولى التي يدعو فيها الإمام الصدر الى السلام والعيش معا، فسبق له أن شارك بعدة مناسبات، داعيا فيها للسلام والوحدة الوطنية. ففي 8 حزيران 1963، في صور، شارك بقداس عن روح البابا يوحنا الثالث والعشرين، أبهر الحضور عندما أخذ يشرح رسالة البابا الراحل التي كانت بعنوان “السلام على الأرض”. وفي 19 شباط عام 1975 ألقى عظة الصوم في كنيسة الآباء الكبوشيين تحت عنوان "الإنسان في حاجاته وكفاءاته"، حيث كان أول رجل دين مسلم يُلقي عظة في كنيسة. وفي 6 تموز 1963 حَضَرَ مراسم تتويج قداسة البابا بولس السادس وكان رجل الدين المسلم الوحيد الحاضر في هذه المناسبة.



نشاطه الاجتماعي والوطني

منذ وصوله إلى لبنان عام 1959، واقامته في مدينة صور، بدأ الإمام الصدر بالاهتمام بالشؤون الدينية والاجتماعية، حيث أبدى اهتماما بالغا بالأمور الدعاوية والتبشيرية من إلقاء محاضرات وعقد ندوات واجتماعات وصولا إلى بناء حسينيات ومراكز تعليمية دينية. لم يكتفِ فقط بالأمور الدينية والوعظ بل تعداها للأمور الاجتماعية عبر تأسيس العديد من الجمعيات الاجتماعية والخيرية بدءًا بإعادة تنظيم جمعية "البر والإحسان" في صور والذي تولى نظارتها العامة، وإنشاء مؤسسة اجتماعية لإيواء وتعليم الايتام وذوي الحالات الاجتماعية الصعبة، وليس انتهاءً بإنشاء مدارس، كالمدرسة الفنية العالية باسم "مدرسة جبل عامل المهنية" وإنشاء المدرسة الفنية العالية للتمريض وكذلك مدرسة داخلية خاصة للبنات باسم "بيت الفتاة"، ومعهد "الدراسات الاسلامية".


اسهامات كثيرة، سرعان ما توسعت من صور وقرى جبل عامل لتصل إلى بعلبك والهرمل وكل البقاع، حتى وصلت إلى عدد كبير من المناطق اللبنانية، لكن إنجازاته لم تقتصر على الشؤون الدينية والاجتماعية بل تعدتها إلى المستوى الوطني لتشمل اصدار قانون تنظيم شؤون الطائفة الاسلامية الشيعية في لبنان عام 1967، وتأسيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى بموجب القانون المشار اليه اعلاه واستنادا الى احكامه. تأسيس "هيئة نصرة الجنوب " إثر الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب خلال شهر ايار من العام 1970 التي ترأسها هو وكان نائبا له المطران انطونيوس خريش ( الذي أصبح فيما بعد بطريركاً للموارنة) وغيرها من الإنتاج الوطني، ككتابة الكتب الدينية وكتابة مقدمات العديد من المؤلفات، وإصدار عدد من المقالات.



بين الإمام الصدر والمفهوم السائد عند بعض شيعة اليوم: لبنان التعددي أو لبنان ولاية الفقيه

لم يَبخل الصدر يوما في التعبير عن إيمانه بلبنان الكيان النهائي، واعجابه بتجربة لبنان الفريدة، التي يتساوى فيها المسيحي والمسلم أمام الدستور والقانون. تجربة تميزه عن كل محيطه العربي والمشرقي، حيث رفض ما كان يروج له بعض الشيعة وهو فكرة "ولاية الفقيه" في المنطقة، والتي تتركز فكرتها على مركزية القرار الديني والسياسي لدى الفقيه العادل الذي يتولى قيادة الأمة في غياب الإمام المعصوم، والتي طُبقت في ايران مع نجاح الثورة الإسلامية 1979، أما الإمام الصدر فلم يتبنَّ النظرية، بل كان يرى أنّ دور الفقيه هو دور معنوي وإرشادي، يقوم على توجيه الأمة دينيًا وأخلاقيًا بدل أن يتولى الحكم السياسي المباشر. وقد انطلق في فكره من واقع لبنان التعددي، فدعا إلى إقامة دولة مدنية عادلة تستند إلى القيم الدينية وتحقق العدالة الاجتماعية، مع احترام التنوع الطائفي والسياسي. لذلك كان مشروعه أقرب إلى دولة مدنية بمرجعية أخلاقية دينية، هدفها خدمة الإنسان وصون كرامته، لا إقامة سلطة دينية مطلقة بيد الفقيه، وأكد على هذا الرأي في حديثه سنة 1977، 17 كانون الثاني، أن "لبنان ضرورة حضارية للعالم، وأن التعايش اللبناني هو ميزة لبنان الخاصة، وأن السلام لقاء تاريخي محتوم بين الإسلام والمسيحية".



مقاومة إسرائيل

لا يستطيع أن يزايد أحد على وطنية الإمام، ورغبته في مقاومة إسرائيل، حيث كانت معاداته لإسرائيل من منطلق وطني وليس ديني فحسب، فكان يعتبر اسرائيل هي العدو للعرب وللمسلمين وللمسيحيين وللإنسانية ولله ، لأنه أدرك من اللحظة الأولى طمع اسرائيل الاستعماري والاحتلالي في المنطقة، ففي 30 آب عام 1970 وضمن مقابلة صحافية في فرنسا قال: "إن إسرائيل دولة عنصرية توسعية، وإن لبنان بتعايش الأديان فيه ضرورة دينية حضارية".



رفض عسكرة الطائفة الشيعية

رفض الإمام الصدر الميليشيات الخارجة عن سلطة الدولة لمقاومة اسرائيل، لأنها تهدد وحدة لبنان حسب تعبيره، لذلك على الرغم من تقاعس الدولة والجيش في حماية الجنوب، رفض عسكرة الطائفة الشيعية في البداية، وسعى دائما أن يتحمل الجيش اللبناني وحده مسؤولية الحدود والجنوب عن طريق فرض حضور الدولة عبر القانون والشرعية، رافضًا كل أشكال العنف خارج دائرة الدولة.


بدأت تحذيراته للدولة بأهمية وجودها في الجنوب منذ بدء الاعتداءات الإسرائيلية، مع القاء الخطابات الرسمية للدولة، داعيها أن تكون مسؤولة عن كل شبر عن أرض الجنوب، إضافةً الى توجيهه رسائل تحذريه إلى المسؤولين اللبنانيين بزيادة العديد العسكري للجيش اللبناني في قرى الشريط الحدودية، أهم هذه الرسائل كانت لرئيس الجمهورية اللبنانية حينها، سليمان فرنجية، حين طالبه بخطة لتطوير الجنوب وعدم إهماله.


ظلّ الإمام الصدر مؤمنا بدور الدولة والجيش اللبناني في حماية الجنوب والقرى الحدودية حتى تهاوت الدولة مع بدء الحرب الأهلية 1975، رفض أن يكون في وجه الدولة، إلى أن اضطر إلى ذلك مع ضعفها، مع بداية مرحلة الفوضى العسكرية داخل لبنان.



اختفاء الإمام موسى الصدر

في 31 آب عام 1978، وأثناء زيارة رسمية إلى ليبيا بدعوة من العقيد معمر القذافي، اختفى الإمام الصدر بشكل مفاجئ مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. كان من المقرر أن يعودوا إلى بيروت في الأول من أيلول، لكنهم لم يظهروا بعدها أبداً، لتبدأ منذ ذلك التاريخ واحدة من أعقد قضايا الاختفاء السياسي في العالم العربي. ورغم الاتهامات المباشرة للنظام الليبي، بقي مصير الإمام مجهولاً حتى اليوم، لتتحول قضيته إلى رمز من رموز النضال الوطني، ويظل الإمام حاضرًا بفكره ومشروعه، غائبًا بجسده، حاضرًا في ضمير اللبنانيين والعالم.


اليوم وبعد 47 سنة من اختفائه، تحاول الدولة أن تعود مجددا إلى الجنوب وكل لبنان، عبر بسط سلطتها على كامل الأراضي، وحصر السلاح فيها، هذه الخطوة الإصلاحية تواجه بمعارضة شرسة من بعض قيادات شيعة اليوم، فيعتبرون كل ما هو دستوري وقانوني "املاءات إسرائيلية وأمريكية"، وبالتالي تحول تطبيق الدستور والقانون الى املاءات خارجية، بدل أن يكون حقًا طبيعيًا للدولة، ليبقى السؤال الأهم، إذا عاد الإمام المغيب موسى الصدر، هل سيتصرف كما يتصرف بعض قيادة شيعة اليوم؟