لم تكن التحولات البنيوية العميقة داخل البيئة الشيعية في لبنان وليدة الصدفة أو مجرد انعكاس لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 فقط؛ بل يمكن القول إن "اللحظة التأسيسية الفاصلة" تمثلت في غياب الإمام موسى الصدر في ليبيا عام 1978 مما يطرح شكوكا عميقة عن الاسباب الحقيقية لتغييبه.
ذلك الحدث لم يكن مجرد فقدان لقائد كاريزمي، بل شكّل صدمة وجودية في الوعي الجماعي للطائفة، وأحدث فراغاً رمزياً أعاد تشكيل مسارها الاجتماعي والسياسي لعقود خلت.
كان الإمام موسى الصدر يمثل حالة فكرية وسياسية فريدة؛ إذ نجح في نقل الشيعة من "الهامش الاجتماعي" إلى موقع "الفاعل الوطني" الطموح للعدالة تحت سقف الدولة. كان مشروعه يرتكز على صياغة هوية طائفية تندمج ضمن مشروع الدولة اللبنانية، ما جعل منه أبرز رموز "التشيّع الوطني" في التاريخ الحديث.
إلا أن اختفاءه المفاجئ لم يولد أزمة قيادة فحسب، بل فتح "أزمة معنى". فمن منظور علم الاجتماع السياسي، لا يؤدي غياب المرجع المؤسس في المجتمعات التقليدية إلى فراغ سياسي إجرائي فقط، بل يعيد تفكيك منظومة الرموز التي تُعرّف الجماعة لنفسها وللآخرين. وفي هذا الفراغ، بدأت عملية إعادة تشكّل بطيئة للمرجعية الشيعية، تزامنت مع بيئة إقليمية كانت تتهيأ لزلزال سياسي كبير.
لم يكن غياب الصدر حدثاً معزولاً، بل شكّل "نقطة انعطاف" سهلت انتقال جزء من هذه البيئة من مشروع الاندماج الوطني اللبناني، إلى فضاء أيديولوجي أوسع ارتبط بنجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. ومع انتصار آية الله الخميني، برز نموذج "الدولة-الثورة" القائم على مبدأ "تصدير الثورة"؛ وهو مفهوم تجاوز البعد الأيديولوجي الإيراني ليطرح إعادة تعريف لدور الشيعة في المنطقة خارج الأطر التقليدية للدولة الوطنية الحديثة.
يمكن حصر هذا التحول الجذري في تفاعل أربع ديناميات أساسية:
- الفراغ الرمزي: الذي خلفه غياب الإمام الصدر وفشل ورثته في الحفاظ على نهجه "الوطني الصرف".
- النموذج الإيراني الجاذب: الذي أعاد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة والوطن بصيغة قائمة على الولاء المطلق للولي الفقيه.
- تفكك الدولة: الانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة اللبنانية تحت وطأة الحرب.
- الاحتلال المزدوج: حيث سهل الاحتلال السوري ببعده "المصلحي" عملية الاختراق الإيراني، بينما شكّل الاحتلال الإسرائيلي "الذريعة الأخلاقية" التي غطت هذا التغلغل، مانحة إياه بُعداً وطنياً تحت لواء "المقاومة".
في قراءة لمذكرات عبد الحليم خدام، يتضح أن دمشق لم تتعامل مع الثورة الإيرانية كحدث عقائدي، بل كتحول استراتيجي وظيفي في ميزان الصراع الإقليمي، لا سيما ضد نظام صدام حسين في العراق. يوضح خدام أن نظام حافظ الأسد اختار الانفتاح على طهران بمنطق براغماتي-مصلحي صرف يهدف لإعادة توزيع النفوذ في المشرق العربي. هذا التقاطع لم يكن تحالفاً أيديولوجياً بقدر ما كان "تلاقي مصالح" في لحظة إقليمية مضطربة.
انعكس هذا التقاطع السوري-الإيراني على الساحة اللبنانية بعد اجتياح عام 1982، حيث نضجت الظروف لولادة "حزب الله" كقوة منظمة حولت الأرض اللبنانية إلى ساحة توازنات معقدة. وبناءً عليه، يمكن قراءة تلك المرحلة كعملية إعادة هندسة على ثلاثة مستويات:
- مستوى الدولة: تحول لبنان من وطن سيد مستقل إلى "ساحة" لتصفيات الحسابات الإقليمية.
- مستوى الطائفة: انتقال الطائفة الشيعية من "الاندماج الوطني" إلى مشروع تحويل لبنان إلى جزء من "الدولة الإسلامية الكبرى".
- المستوى الإقليمي: تبلور محور "دمشق-طهران" كقوة وازنة تقوم على وحدة المصالح لا وحدة العقيدة.
ختامًا، يبقى سرّ اختفاء الإمام موسى الصدر نقطة الانعطاف الرمزية الأهم؛ ليس بوصفه المسبّب الوحيد للتغيير، بل لكونه اللحظة التي شرّعت الأبواب أمام إعادة تعريف الهوية الشيعية في مهبّ العواصف الإقليمية. فهل كانت إيران، من دون تغييب الإمام، قادرة على مدّ جسورها إلى لبنان؟ أم أنّ غيابه كان جزءًا من مشروعٍ سيكشفه التاريخ يومًا ما؟