شارل إدوارد سركيس

أنثروبولوجيا تمجيد الموت والتمدد الجغرافي كاستراتيجية للهيمنة في لبنان وإيران

بين موسى الصدر والخميني

22 دقيقة للقراءة

دخلت الطوائف الشيعية في كل من لبنان وإيران النصف الثاني من القرن العشرين، وهي تعيش على هامش الحياة السياسية والاقتصادية. غير أن بروز رجلين دينيين كاريزميين موسى الصدر (١٩٢٨-١٩٧٨) في لبنان والخميني (١٩٠٢-١٩٨٩) في إيران، مكّن هاتين الجماعتين المهمشتين من تحويل حالة الضعف والتهميش إلى استراتيجية متكاملة للوصول إلى السلطة. تمثّل محور هذا التحول في توظيف "نموذج كربلاء"، أي استشهاد الإمام الحسين عام ٦٨٠م، وإعادة صياغته بوصفه منهجًا عمليًا دائمًا قائمًا على المظلومية المقدسة والشهادة الخلاصية. فعبر الخطب والطقوس والرموز البصرية والمناورات الميدانية، نجح القائدان في دمج المشاعر الجماعية مع السيطرة المادية، فأنتجا برامج سياسية شاملة، أيديولوجية وعسكرية واقتصادية وديموغرافية، لا تزال تشكّل ديناميكيات القوى الإقليمية حتى يومنا هذا.


أولًا: مقدمة

يقع هذا المقال في تقاطع الأنثروبولوجيا الدينية وعلم السياسة والتاريخ الإقليمي المقارن، وينطلق من أربعة أُطر نظرية متكاملة يوظّفها تحليلياً على امتداد الدراسة. حدّد الباحث مايكل فيشر "نموذج كربلاء" بوصفه بنية رمزية مرنة، تصلح قاعدةً للتعبئة الثورية [١]؛ وأظهر كامران آغائي كيف أدركت الأنظمة الإيرانية المتعاقبة قوة هذا النموذج التعبوية، فتأرجحت بين رعاية طقوس عاشوراء وقمعها تبعًا للحسابات السياسية [٢]. وأسّس فيكتور تيرنر في تحليله الكلاسيكي للطقوس الاجتماعية مفهوم "الجماعة الحدية" (communitas)، القائل بأن المعاناة الجماعية تولّد تضامنًا استثنائيًا قادرًا على تجاوز الحدود الطبقية وإعادة توجيه الطاقات نحو فعل سياسي تحويلي [٣]. أما لارا ديب، فقد أماطت اللثام عن آليات "التقوى الموثّقة" في البيئة الشيعية اللبنانية، مُبيّنةً كيف تستوعب ممارسات التديّن العلني وعروض الاستشهاد البنيَ الاجتماعية والاقتصادية المادية وتشرعنها [٤].

تسير الدراسة وفق التسلسل الآتي: تنطلق من تحليل مشروع الإمام موسى الصدر في تعبئة "المحرومين" في لبنان (القسم الثاني)، ثم تتناول الجسر المفاهيمي الذي يربط خطابه بخطاب الخميني حول "المستضعفين" (القسم الثالث)، وتتوقف عند مصطفى شمران الحلقة التنظيمية الجامعة بين التجربتين (القسم الرابع)، لتنتقل إلى فضح ازدواجية الخطاب ولحظة الانكشاف الدموي في الدامور (القسم الخامس)، ثم ترصد الاستراتيجية الجغرافية المتمثلة في "أسلمة الأرض" (القسم السادس)، وتعرض لنموذج الخميني في أدلجة الاستشهاد وتأسيسه مؤسساتياً (القسم السابع)، قبل أن تختتم بأنثروبولوجيا مقارنة (القسم الثامن) وتقييم الإرث وضرورة الحل الشامل (القسم التاسع).

في كل من لبنان وإيران، وظّف الصدر والخميني هذه الأُطر النظرية بالطريقة ذاتها: قدّسا المعاناة والمظلومية وصبّاها في قوالب استراتيجية ملموسة تهدف إلى الهيمنة الديموغرافية والسيطرة على الجغرافيا. وبعبارة تيرنر، حوّلا البكاء السنوي على الحسين إلى حالة سياسية دائمة تتحول فيها جماعة اللطامين الباكائين إلى جماعة مقاتلين في اللحظة ذاتها، فيما يُظهر إطار ديب كيف تُمهّد الطقوس الدينية الطريق لما هو مادي محسوس: من الاستحواذ على الأراضي إلى ترسيخ الحضور الديموغرافي.


ثانيًا: موسى الصدر وتعبئة "المحرومين" في لبنان

عند وصوله إلى لبنان عام ١٩٥٩، وجد رجل الدين هذا، الإيراني المولد اللبناني الأصل، الطائفةَ الشيعية مهمشةً ومُستضعفة. فأطلق عليها تسمية "المحرومين"، وأسّس عام ١٩٧٤ حركته التي أنشأت جناحها العسكري "أمل"، محوِّلًا الإهمال الرسمي للدولة إلى ظلم كوني يستوجب ردًا مقدسًا. وقد حوّلت خطاباته عاشوراء من مناسبة للبكاء إلى نداء ثوري، إذ كان يصرّح: "نحن أتباع الحسين... كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" [٥].

يؤكد الباحث جوزف علاغة، أن "حزب الله" يعتبر موسى الصدر أحد أبرز منظريه الفكريين، إذ أرسى كثيرًا من أسس فكر "الحزب" وسياساته من خلال برنامج المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام ١٩٦٩ [٦]. ومع ذلك، يشدد علاغة على أن الصدر لم يدعُ قط إلى إقامة دولة إسلامية في لبنان، بل ركّز على المساواة والعدالة الاجتماعية ضمن النظام التعددي اللبناني [٧]. وقد وثّق فؤاد عجمي كيف حوّل الصدر المجالس الحسينية والمسيرات العاشورائية إلى مسيرات سياسية حاشدة شرعّت فكرة المقاومة المسلحة [٨].

وقد أكمل اختفاء الصدر الغامض في ليبيا عام ١٩٧٨ صورة "الإمام الغائب" أو الشهيد الحي، مما أضفى شرعية دائمة على حركة "أمل" ووريثها الأكثر تنظيمًا - حزب الله [٩]. ويرى أوغستوس ريتشارد نورتون، في دراسته الإثنوغرافية الدقيقة، أن إسهام الصدر الأعمق لم يكن تنظيميًا، بل كان تحولاً في الوعي الجماعي: غيّر الصورة الذاتية للشيعة من طائفة تتقن فن الصبر إلى جماعة تطالب بحقوقها وتتحرك في الساحة السياسية [١٠]. وهذا التحول في الهوية أثبت أنه أشد رسوخًا من أي مؤسسة بناها الصدر، وأصبح المادة الخام التي استند إليها "حزب الله" لاحقًا في بناء جهازه المنضبط.


ثالثًا: الجسر المفاهيمي من "المحرومين" إلى "المستضعفين"

ثمة نقطة لم تحظَ بما تستحقه من عناية أكاديمية، وهي التماهي المفاهيمي الدقيق بين خطاب الصدر عن "المحرومين" وخطاب الخميني عن "المستضعفين". فـ"المحرومون" عند الصدر، أي الفقراء والمهمشون في النظام الطائفي اللبناني، يتطابقون وظيفيًا مع "المستضعفين" في الخطاب الخميني؛ وهي فئة قرآنية وسّعها الخميني لتشمل جميع المضطهدين في الأرض [١١].

لم يكن هذا التقارب في المصطلحات محض صدفة؛ إذ استند كلا القائدين إلى المرجعية القرآنية ذاتها، ولا سيما الآية الكريمة: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ (النساء: ٧٥)، وإلى الرصيد الرمزي نفسه لكربلاء. وقد أشارت نيكي كيدي إلى هذا بوصفه «لاهوت تحرير بخصائص شيعية»، يتميز عن نظيره الكاثوليكي في أميركا اللاتينية بكونه روحانياً وقانونياً وقابلاً للتنفيذ العسكري في آنٍ واحد [١٢].


رابعًا: مصطفى شمران الجسر التنظيمي بين لبنان وإيران

لا يمكن استيعاب التماهي العضوي بين التجربتين اللبنانية والإيرانية دون الوقوف عند شخصية مصطفى شمران، الفيزيائي الإيراني الذي درس في جامعة بيركلي وعمل في مختبر الدفع النفاث التابع لـ«ناسا». جمع شمران بين العلم والعمل العسكري والسياسي، فكان أول وزير دفاع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وقائداً في الحرس الثوري. غير أن دوره الأشد خطورة تمثّل في كونه المهندس الفعلي للبنية العسكرية لحركة أمل قبل ذلك [١٣].

قَدِم شمران إلى لبنان تلبيةً لدعوة موسى الصدر، فأسّس معه «حركة المحرومين» وكان أول مسؤول تنظيمي مركزي لحركة أمل [١٤]. ولم يقتصر دوره على التنظير، بل أشرف بنفسه على إنشاء معسكرات التدريب العسكري في جنوب لبنان والبقاع، وكان أبرزها مخيم جنتا في البقاع الذي غدا مدرسةً عسكرية حقيقية لتخريج الكوادر الشيعية اللبنانية. ويصف محمد عبيد، أحد قيادات حركة أمل الذي تدرّب في تلك المرحلة وأمضى سنوات في العمل الميداني مع الحركة، تلك الحقبة بقوله: «الالتحاق بالتدريب العسكري كان حلماً، فالتخرج من مدرسة جنتا كان يعني نيل شرف الجهوزية للمشاركة على جبهتين: التصدي للعدو الإسرائيلي، والذود عن الطائفة الشيعية في وجه الهجمات» [١٥].

والأخطر من ذلك أن شمران لم يقتصر عمله على تدريب اللبنانيين، إذ تكشف مذكراته الشخصية أنه استقطب مئات الشبان الإيرانيين إلى لبنان حيث تلقوا تدريباتهم العسكرية في معسكرات حركة أمل في بعلبك والبقاع. وقد أثار ذلك حفيظة السفير الإيراني آنذاك منصور قدر الموالي للشاه، فتقدّم بشكوى رسمية إلى الحكومة اللبنانية تفيد بوجود ما بين ١٨٠ و٢٠٠ شاب إيراني يتدربون على الأراضي اللبنانية [١٦]. وقد خلق هذا التدفق المبكر للإيرانيين نخبةً عسكرية إيرانية على الأرض اللبنانية، كانت النواة الصلبة التي ستُشكّل الحرس الثوري لاحقاً.

حين عاد الحرس الثوري الإيراني رسمياً إلى البقاع عام ١٩٨٢، لم يطأ أرضاً غريبة، بل وجد في مخيم جنتا «القاعدة المناسبة للبدء في التدريب والتعبئة والتجهيز لجذب الشباب الشيعي» [١٥]. وانتقلت السيطرة على هذا المعسكر بصورة طبيعية من حركة أمل إلى التنظيم الناشئ «حزب الله»، باعتباره الامتداد العضوي لنهج الحرس الثوري. وهنا يتجلى التماهي المطلق: جرت أدلجة اللبنانيين وتدريبهم على الفكر الخميني قبل وصول الحرس، عبر شخصية شمران التي جمعت بين الثقة المطلقة للصدر والولاء العميق للخميني [١٧].


خامسًا: ازدواجية الخطاب والتقية لحظة الانكشاف التاريخية

لا يمكن قراءة مشروع الصدر بمعزل عن ازدواجية خطابه التي كشفتها الممارسة الميدانية. ففي الوقت الذي كان يبني فيه مؤسساته المدنية والتربوية في صور ويعلن التمسك بالوحدة الوطنية، كان يعمل بالتوازي على بناء جهاز عسكري سري متكامل بقيادة شمران. وتجلّى هذا الازدواج مبكراً في اختيار موقع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في منطقة الحازمية، قلب المعقل المسيحي، بوصفه رسالةً جيوسياسية لا مؤسسةً محايدة [١٨].

كما تجلّى ذلك أيضاً في موقفه من السلاح؛ فبينما كان يردد مقولته الشهيرة «السلاح زينة الرجال» مشترطاً أن يُوجَّه نحو الأهداف الوطنية ووحدة لبنان وللدفاع عن الجنوب ضد الاعتداءات الإسرائيلية [١٩]، كان هذا السلاح ذاته يُستعمل في لعبة إقليمية أكبر كشفت عن وجهها الحقيقي في منتصف السبعينيات.

ولعل أخطر مظاهر هذه الازدواجية تمثّل في دور الصدر وحلفائه تحت شعار «الفلسطينيون هم جيش المسلمين» في قمة عرمون عام ١٩٧٦، حيث أسهموا في استجداء التدخل العسكري لدمشق في لبنان ضد المسيحيين. فاستجاب حافظ الأسد لهذا الطلب وأرسل قواته تحت غطاء «جيش التحرير الفلسطيني»، مُسخِّراً الشعار الديني ذاته أداةً للتدخل الإقليمي. وقد كشف الأسد عن هذا التنسيق بنفسه في خطابه الشهير على مدرّج جامعة دمشق بتاريخ ٢٠ تموز ١٩٧٦، حين استند إلى طلب القوى اللبنانية الحليفة تسويغاً لإرسال جيشه إلى لبنان [٢٠]. وهكذا تحوّل السلاح الذي رُفع شعاراً للدفاع الوطني إلى أداة لسحق اللبنانيين أنفسهم بأيدٍ سورية.

وتجسّدت لحظة الانكشاف الأكثر دموية تلك، حين اجتاحت قوات منظمة التحرير الفلسطينية وحلفاؤها من الحركة الوطنية اللبنانية بلدة الدامور المسيحية في ٢٠ كانون الثاني ١٩٧٦. فتعرّضت البلدة لمجزرة مروّعة قُتل فيها مئات المدنيين العُزَّل، وطُرد الناجون، ودُمّرت الكنائس، ودُنّست المدافن [٢١]. وتشير التوثيقات التاريخية إلى أن القيادة المشتركة لفتح والصاعقة اتخذت قراراً «بتفريغ المدينة» من سكانها [٢٢]. وقد شهد الأب منصور لبكي، الكاهن الذي نجا من المجزرة، على بشاعة المشهد قائلاً: «كانوا يأتون آلافاً مؤلفة، يهتفون 'الله أكبر'... ويذبحون كل من يعترض طريقهم، رجالاً ونساءً وأطفالاً» [٢٣]. هنا انكشف وجه الاستخدام الحقيقي للسلاح، وتبيّن أن المواطن المسيحي هو «الشيطان الأكبر» لا دولة إسرائيل التي لم تكن قد احتلت بيروت بعد؛ فتحوّل السلاح الذي كان «زينة» في الخطاب الأول إلى أداة لتصفية الوجود المسيحي وتغيير الديموغرافيا الداخلية.


سادسًا: الاستراتيجية الجغرافية «أسلمة الأرض» كمنهجية عمل

تتردد في أوساط المعارضة اللبنانية مقولة تُنسب إلى موسى الصدر وتلخّص رؤيته البعيدة المدى: «إذا لم تستطع أسلمة الناس، فأسلم الأرض» [٢٤]. وسواء وردت حرفياً عنه أم لا، فقد أصبحت هذه المقولة المخطط التشغيلي الذي ورثته حركة أمل وطوّره حزب الله ببراعة انطلاقاً من الدروس المستخلصة من مجازر منتصف السبعينيات.

بدأ موسى الصدر هذه الاستراتيجية في الضاحية الجنوبية والضاحية الشمالية لبيروت. ونجح المشروع نجاحاً باهراً في الضاحية الجنوبية التي تحوّلت إلى معقل شيعي هائل عُرف لاحقاً بـ«الضاحية»، وأضحى عاصمة «دولة حزب الله» بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم يكن هذا التحول الديموغرافي عفوياً ولا وليد الصدفة؛ فالمنطقة التي باتت تُعرف اليوم بـ«الضاحية» كانت تاريخياً تُعرف بـ«ساحل النصارى»، وهي منطقة مارونية صرف تضم بلدات المريجة والليلكي وتحويطة الغدير وحارة حريك والشياح، ويمتد نسيجها العقاري حتى كامل شاطئ الأوزاعي ومنطقة المدورة، حيث كان المسيحيون يقطنون منازلهم قبل أن يُهجَّروا منها بالقوة في سياق الاستيلاء الممنهج على هذه الأرض [٢٥].

فمنذ أواخر الستينيات، جرى توجيه تدفقات مالية ضخمة من مصادر مشروعة وأخرى غير مشروعة — بما فيها تجارة المخدرات التي وثّقتها السلطات الأمريكية في تحقيقات «مشروع كاساندرا» — نحو شراء عقارات المسيحيين [٢٦]. ويحدّد نزار حمزة في دراسته عن اقتصاد حزب الله ثلاثية تمويلية: تحويلات إيرانية عبر الحرس الثوري، وتحويلات من المغتربين والجمعيات الخيرية، وعائدات من شبكات التهريب والتجارة غير المشروعة [٢٧].

استخدمت عمليات الشراء ثلاث وسائل: إغراء المالكين بمبالغ خيالية تفوق القيمة السوقية، وترهيب المالكين الممتنعين، وتزوير صكوك الملكية. ولا يزال هذا النمط مستمراً حتى اليوم، كما تجلّى في قضية تزوير أراضي كنيسة الروم الملكيين في إبل القمح (شباط ٢٠٢٦) [٢٨]، وشراء ٥٦ عقاراً في قضاء بعبدا [٢٩]، وبلغت هذه ذروتها مع تعميم وزير المالية ياسين جابر بتسجيل الأراضي «المشاع» لصالح الدولة، وهو ما اعتبرته الطوائف المسيحية والدرزية مصادرةً ممنهجة [٣٠]. أنثروبولوجياً، تمثّل هذه الممارسات تجسيداً مادياً لنموذج كربلاء؛ فـ«التقوى الموثّقة» كما تصفها لارا ديب تُفسّر كيف تخلق عروض الاستشهاد العلنية رأس المال المعنوي الذي يشرعن التوسع الجغرافي [٤]. المقدس والأرض وجهان لعملة واحدة: المجتمع الذي يبكي في عاشوراء هو نفسه الذي يشتري الأرض ويدافع عنها ويُعزّز حضوره الديموغرافي عليها.

وما جرى في بلدة القليعة المارونية اليوم في قضاء مرجعيون يُجسّد هذا النمط بصورته الأكثر إجراماً؛ فقد تسلّل عناصر حزب الله إلى هذه البلدة المسيحية وأطلقوا صواريخهم منها باتجاه إسرائيل، متعمّدين اتخاذ أبنائها دروعاً بشرية لعملياتهم العسكرية. فردّت إسرائيل بقذائفها على البلدة، فأودت بحياة كاهنها الأب بيار الراعي وجرحت عددًا من أبنائها [٣١]. إنه المنطق ذاته المكرَّر: يُطلَق الصاروخ من البلدة المسيحية، ويسقط الرد على رجال دينها وأطفالها والحزب يواصل مسيرته.


سابعًا: الخميني وإضفاء الطابع المؤسسي على الاستشهاد في إيران

في منفاه بالنجف ثم في باريس، طوّر الخميني المرجعية الرمزية ذاتها بصورة جذرية، فصوّر الشاه على أنه «يزيد العصر»، والشعب الإيراني على أنه «أصحاب الحسين»، وأعلن أن «دماء الشهداء هي بذرة الثورة» [٣٢]. وخلال الحرب مع العراق، أشبعت الدولة الإسلامية الفضاء العام برموز الاستشهاد، منتجةً ما أسمته روكسان فارزي «ثقافة الاستشهاد»، حيث يتحوّل الموت إلى أسمى فضيلة مدنية [٣٣].

كما ترى نيكي كيدي، لم يكن ما فعله الخميني ابتكاراً لاهوتياً جديداً — فولاية الفقيه كانت مطروحة في الحوزات — بل كان ابتكاراً سياسياً: إنه أول فقيه ينجح في تحويل هذه النظرية إلى دستور حاكم ودولة قائمة [٣٤]. وكانت النتيجة إضفاء الطابع المؤسسي على الاستشهاد وتحويله من تقوى فردية إلى واجب وطني ودولاتي. أُنشئت مؤسسة «بنياد شهيد» عام ١٩٨٠ لا لتكريم الموتى فحسب، بل كجهاز بيروقراطي يقدّم الرواتب والسكن والتعليم لعائلات الشهداء، أي أنها حوّلت التضحية المقدسة إلى منظومة حوافز مادية، ورأسَ المال الرمزي إلى رأس مال سياسي واجتماعي ملموس [٣٥].

شكّل هذا النموذج المؤسسي القالب الذي صُدِّر لاحقاً إلى لبنان، حيث بنى حزب الله دولة رفاهه الموازية على المبادئ ذاتها. وقبول حزب الله لولاية الفقيه، كما تُثبت دراسة أمل سعد غريب، التزامٌ عقائدي عميق لا تكتيك سياسي؛ إذ اعتبرت النخبة المؤسِّسة له الخميني ولياً للفقيه شرعاً، وسلطته تعلو على سلطة الدولة اللبنانية [٣٦].


ثامنًا: أنثروبولوجيا مقارنة رموز مشتركة ومشروع شامل

اشتغل القائدان ضمن القاعدة الثقافية ذاتها: المظلومية رأسُ مال رمزي للتعبئة، وتمجيد الموت والاستشهاد نصرٌ سياسي، واستثمار الطقوس الدينية لخلق «الجماعة الحدية» (communitas) المتماسكة بالمعاناة، وتدوير الأيديولوجيا والموارد عبر الحدود. غير أن النموذج ذاته أنتج بنى مؤسسية مختلفة في إيران ولبنان وإن كانت متكاملة أيديولوجياً.

ففي إيران، انصهر نموذج كربلاء مع سلطة الدولة، فأنتج «جمهورية دينية» حيث ثقافة الاستشهاد انعكاس للسيادة ذاتها. أما في لبنان، فقد حال دون ذلك غياب الأغلبية الديموغرافية الشيعية واستمرار النظام الطائفي التعددي، فكانت النتيجة «دولة ضمن دولة»: كيان موازٍ يقدّم الخدمات ويدير العدالة ويشنّ الحروب ويسيطر على الأرض، دون أن يحلّ الدولة اللبنانية رسمياً، بل يتغذى عليها ويستنزفها مالياً واقتصادياً وخدماتياً.

يحلّل جيل كيبل هذه الظاهرة في إطار استراتيجية «إعادة الأسلمة من الأسفل»: الاحتلال التدريجي للفضاءات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية بوصفه استجابةً للفشل في الاستيلاء على السلطة السياسية بشكل مباشر، مما يُفرغ دولة السيادة الرسمية من مضمونها [٣٧]. ولبنان هو النموذج الأكمل لهذه الظاهرة، حيث اندمجت الرؤية الجغرافية للصدر مع الجهاز الشامل لحزب الله. ولا فصل عند قادة الحزب بين «سياسي» و«عسكري»؛ فالكل يعمل تحت إشراف مجلس الشورى الموحد [٣٨]. ويُثبت وضاح شرارة وأمل سعد غريب أن هذه الوحدة ليست شعاراً بل هندسة تنظيمية حقيقية، تجعل من المستحيل تفكيك المشروع جزءاً جزءاً — وهذه سمة متعمَّدة لا عيب في التصميم [٣٩].


تاسعًا: الإرث وضرورة الحل الشامل

لا يزال «مجتمع المقاومة» الذي بناه "حزب الله" و«ثقافة الاستشهاد» التي أسّستها إيران يعملان بهذا النموذج. فبعد حرب ٢٠٢٤ وتراجع قدرات حزب الله العسكرية ومقتل حسن نصر الله، تحرّكت الدولة اللبنانية في عهد الرئيس جوزف عون وحكومة نواف سلام لفرض القرار ١٧٠١. لكن مسار القضم الجغرافي لم يتوقف: تعميم ياسين جابر وعقود من الاستحواذات الممنهجة تثبت أن أسلمة الأرض هي تأمين ديموغرافي طويل الأمد، حتى حين تتراجع القدرة العسكرية. وهذه المرونة التنظيمية هي ما تنبّأ به نزار حمزة، من أن قدرة الحزب على البقاء لا تعتمد على أداة واحدة بل على تشعّب جذوره في كافة مفاصل الدولة [٤٠].

تكشف العدسة الأنثروبولوجية عن عبقرية هذه الاستراتيجية: الرواية المقدسة تُنتج رأس المال المعنوي، وشراء الأراضي يؤمّن رأس المال الجغرافي، والخدمات الاجتماعية تولّد رأس المال الشعبي، والوحدة المؤسساتية تجعل من المستحيل تفكيك المشروع جزءًا جزءًا.

إن استعادة السيادة الحقيقية في لبنان لا تمرّ إلا بحل شامل وكامل لهذا الكيان الموازي: حلّ جميع المؤسسات العسكرية والأمنية والمالية التابعة لحزب الله وحركة أمل وإخضاعها التام لسلطة الدولة. ذلك أن الحركة التي تفشل في الاستيلاء على السلطة بأدوات «الأسلمة من الأسفل» لا تتخلى عن هدفها، بل تنتقل — كما يُظهر كيبل — إلى مرحلة أعلى وأخطر: «الأسلمة من فوق»، أي الاستيلاء المباشر على مؤسسات الدولة ذاتها — برلمانها وحكومتها وقضاءها — لتُكمل بذلك مسار الهيمنة الكاملة [٤١].

وما يجري في لبنان اليوم، ٩ آذار ٢٠٢٦، ليس سوى تجلّي لهذه المرحلة الدقيقة: فقد أطلق حزب الله في ٢ آذار ٢٠٢٦ صواريخه على إسرائيل من دون أي تفويض من الدولة اللبنانية، فردّت إسرائيل بغارات عنيفة أودت بأرواح مئات المدنيين وهجّرت عشرات الآلاف. وعلى الرغم من قرار الحكومة اللبنانية بتوقيف كل من أطلق هذه الصواريخ، أصدرت المحكمة العسكرية بتاريخ ٩ آذار ٢٠٢٦ حكمها بحق ثلاثة من مسلحي الحزب الموقوفين بتغريمهم مبلغاً لا يتجاوز عشرين دولاراً، ثم أطلقت سراحهم فوراً [٤٢] — وكأن الدولة توقّع على وثيقة استسلامها. وفي اليوم نفسه، ضرب نبيه بري بعرض الحائط معارضة جميع النواب المسيحيين وأمر بالتمديد لمجلس النواب لمدة سنتين بسبعة وسبعين صوتاً في مواجهة أربعة وأربعين صوتاً رافضاً [٤٣]، في مشهد يُعلن صراحةً أن الأكثرية الأداتية باتت تتحكم في مصير الجمهورية من دون حاجة إلى أي توافق وطني.

سقطت الجمهورية اللبنانية. ترفضون العودة إلى متصرفية جبل لبنان؟ أهلاً وسهلاً بكم في جمهورية لبنان الإسلامية.


رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي اللبناني


* * *

الهوامش والمصادر

[١] Michael M. J. Fischer, Iran: From Religious Dispute to Revolution, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1980, pp. 170–180.

[٢] Kamran Scot Aghaie, The Martyrs of Karbala: Shi'i Symbols and Rituals in Modern Iran, Seattle: University of Washington Press, 2004, pp. 120–145.

[٣] Victor Turner, The Ritual Process: Structure and Anti-Structure, Chicago: Aldine, 1969, pp. 94–130.

[٤] Lara Deeb, An Enchanted Modern: Gender and Public Piety in Shi'i Lebanon, Princeton, NJ: Princeton University Press, 2006, pp. 78–95.

[٥] R. A. Cohen, "The Impact of Musa al-Sadr and Khomeini's Fight for Religious Influence over Lebanon," Religions 13, no. 12 (2022): 1196.

[٦] Joseph Alagha, "Hizbullah's Conception of the Islamic State," in Les mondes chiites et l'Iran, Paris: Karthala, 2007, pp. 87–112.

[٧] المصدر نفسه.

[٨] Fouad Ajami, The Vanished Imam: Musa al-Sadr and the Shia of Lebanon, Ithaca, NY: Cornell University Press, 1986, pp. 140–155.

[٩] H. E. Chehabi and Majid Tafreshi, "Musa Sadr and Iran," in Distant Relations: Iran and Lebanon in the Last 500 Years, ed. H. E. Chehabi, London: I.B. Tauris, 2006, pp. 150–155.

[١٠] Augustus Richard Norton, Amal and the Shia: Struggle for the Soul of Lebanon, Austin: University of Texas Press, 1987, pp. 39–72.

[١١] Hamid Dabashi, Theology of Discontent: The Ideological Foundation of the Islamic Revolution in Iran, New York: New York University Press, 1993, pp. 409–484.

[١٢] Nikki R. Keddie, Modern Iran: Roots and Results of Revolution, updated ed., New Haven, CT: Yale University Press, 2006, pp. 214–230.

[١٣] «مصطفى تشمران»، ويكيبيديا العربية.

[١٤] المصدر نفسه.

[١٥] محمد عبيد، «جنتا مدرسة الإمام الصدر»، نداء الوطن. محمد عبيد قيادي في حركة أمل ذو خبرة ميدانية مباشرة في المرحلة التأسيسية للحركة، وشهادته تحمل قيمة مصدر أولي داخلي.

[١٦] «مذكرات شمران في لبنان ٣: هكذا تأسست حركة أمل»، موقع الجادّة.

[١٧] «تفاصيل جديدة عن المؤامرة الإقليمية بتغييب الإمام الصدر»، قناة العالم.

[١٨] Olivier Roy, The Failure of Political Islam, trans. Carol Volk, Cambridge, MA: Harvard University Press, 1994, pp. 60–90.

[١٩] مقولة «السلاح زينة الرجال» وردت في خطابات الصدر بشرط أن تكون موجهةً نحو الأهداف الوطنية ووحدة لبنان.

[٢٠] خطاب حافظ الأسد في جامعة دمشق، ٢٠ تموز ١٩٧٦ (أرشيف الخطابات الرسمية السورية).

[٢١] Robert Fisk, Pity the Nation: Lebanon at War, Oxford: Oxford University Press, 2001, pp. 99–105.

[٢٢] International Center for Transitional Justice, Lebanon's Legacy of Political Violence, New York: ICTJ, 2013, p. 127.

[٢٣] Fisk, Pity the Nation, pp. 99–105.

[٢٤] هذه المقولة متداولة في أوساط المعارضة اللبنانية المسيحية، لكنها تفتقر إلى نسبة أولية مباشرة في المجموعات المنشورة لخطابات الصدر.

[٢٥] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان، Lebanon's Spatial Development Vision and Strategy، بيروت: UNDP، ٢٠٠٥.

[٢٦] Josh Meyer, "The secret backstory of how Obama let Hezbollah off the hook," Politico, December 2017.

[٢٧] Nizar Hamzeh, In the Path of Hizbullah, Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2004, pp. 55–90.

[٢٨] «اعتقالات بتهمة التزوير في جنوب لبنان تكشف تشابك الأرض والسياسة الطائفية والسلطة»، Syriac Press، ٢١ شباط ٢٠٢٦.

[٢٩] موثَّق في تقارير المعارضة اللبنانية وملفات المحكمة، قضايا قضاء بعبدا.

[٣٠] «استياء واسع من قرار وزارة المالية بشأن الأراضي المشاع»، L'Orient-Le Jour، ٢٨ شباط ٢٠٢٦.

[٣١] «غضب كبير بالقليعة بعد وفاة كاهن البلدة بيار الراعي جراء قيام الحزب بإطلاق صاروخ من البلدة ما أدى لاستهدافها بقذائف إسرائيلية»، صوت بيروت إنترناشيونال، ٩ آذار ٢٠٢٦.

[٣٢] Ruhollah Khomeini, Islam and Revolution: Writings and Declarations of Imam Khomeini, trans. Hamid Algar, Berkeley: Mizan Press, 1981, pp. 286–290.

[٣٣] Roxanne Varzi, Warring Souls: Youth, Media, and Martyrdom in Post-Revolution Iran, Durham, NC: Duke University Press, 2006, pp. 45–70.

[٣٤] Keddie, Modern Iran, pp. 238–252.

[٣٥] Kamran Scot Aghaie, Martyrs of Karbala, pp. 130–145؛ Suzanne Maloney, Iran's Political Economy since the Revolution, Cambridge: Cambridge University Press, 2015, pp. 95–110.

[٣٦] Amal Saad-Ghorayeb, Hizbu'llah: Politics and Religion, London: Pluto Press, 2002, pp. 35–60.

[٣٧] Gilles Kepel, Jihad: The Trail of Political Islam, trans. Anthony Roberts, Cambridge, MA: Harvard University Press, 2002, Part III.

[٣٨] Joseph Alagha, The Shifts in Hizbullah's Ideology, Leiden: Amsterdam University Press, 2006, pp. 151–155.

[٣٩] وضاح شرارة، دولة حزب الله: لبنان مجتمعاً إسلامياً، بيروت: دار النهار، ١٩٩٦، ص ١٣١-١٧٠؛ وأمل سعد غريب، Hizbu'llah، ص ٦١–٩٠.

[٤٠] Hamzeh, In the Path of Hizbullah, pp. 130–160.

[٤١] Gilles Kepel, Jihad: The Trail of Political Islam, Conclusion.

[٤٢] وسائل الإعلام اللبنانية المتعددة، ٩ آذار ٢٠٢٦.

[٤٣] وسائل الإعلام اللبنانية المتعددة، ٩ آذار ٢٠٢٦.