د. بولا أبي حنا

الكرامة الوطنية بين فوضى الصحافة ودرس القصر الجمهوري

5 دقائق للقراءة

الحوادث أحيانًا تأتي لتذكّرنا بما غفلنا عنه طويلًا. ما جرى مؤخرًا في القصر الجمهوري مع المبعوث الأميركي توماس براك، الذي أطلق تعليقات تقلّل من احترام الصحفيين اللبنانيين فوصف سلوكهم بالفوضوي بل بـ«الحيواني»، لم يكن مجرد حادثة بروتوكولية عابرة. بل هو مناسبة لإعادة التفكير في صورة الصحافة اللبنانية، في معنى الكرامة الوطنية، وفي علاقتنا كلبنانيين بفكرة الديمقراطية واحترام الذات.


صحيح أنّ براك أخطأ، وصحيح أنّ تصريحاته لا تُغتفر، لكن لا بأس أن نحاول قراءة الحادثة من زاويتنا نحن: ماذا عن الصحفيين اللبنانيين؟ كيف ظهرنا نحن في تلك اللحظة؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من «الفوضى الإعلامية» التي جرت؟



من القصر الجمهوري إلى عالم الرمزية

حين يلجأ دبلوماسي إلى استعارة من عالم الحيوان ليصف الصحفيين، فمن حقنا أن نردّ عليه من المنبع ذاته. أحب أن أستعيد هنا أسلوب جان دولافونتان ، صاحب الحكايات الرمزية الشهيرةFables de La Fontaine، الرجل لم يكن يكتب مقالات سياسية مباشرة، بل استخدم الحيوانات ليمثّل بها البشر، فيعطي الناس حكمًا وأمثالًا تعيش لقرون. كان الذئب رمزًا للقوة، والحمل رمزًا للضعف، والثعلب رمزًا للمكر…


ومن خلال هذه الرمزية أوصل خلاصات أخلاقية واضحة: "La raison du plus fort est toujours la meilleure"، أي"حجّة الأقوى هي دائمًا الأرجح".


هذا ليس مجرد مثل ساخر، بل العبرة بأن القوة قد تفرض نفسها على المنطق، وأن الضعيف إن لم يتحصّن بالذكاء والتنظيم، سيُسحق تحت منطق الأقوى.


أليست هذه بالضبط حالنا كصحافة لبنانية في وجه دبلوماسي مثل براك؟ لقد أراد أن يستعرض قوته الكلامية، فبدا وكأنه «الذئب» الذي يسخر من «الحمل» المندفع في طرح الأسئلة. لكن الحكاية لم تنتهِ هنا، لأننا لسنا حملانًا بريئة ولا ذئابًا طيّعة. نحن صحفيون لبنانيون، نفتقد أحيانًا للتنظيم، لكننا لا نفتقد للشجاعة ولا لكرامة السؤال.



الفوضى الإعلامية: مرجلة أم ضعف؟

من عادة الصحفي اللبناني أن يتسابق على طرح السؤال قبل زميله: "أنا من سألت… أنا من أخذت الجواب!" لكن هل هذه المرَجلة دائمًا قوة؟ أم أنّها قد تتحول أحيانًا إلى صورة فوضوية تضعف الكرامة بدل أن تحميها؟


في الحقيقة، الفوضى ليست دليلًا على الحرية، بل على العكس، الحرية المنظمة هي التي تُظهر قوة الصحافة. كل دول العالم تشهد فوضى إعلامية أحيانًا، لكن في الدول التي تحترم نفسها، هناك قواعد وبروتوكولات تنظّم العلاقة بين الصحفي والضيف، بحيث يحافظ الصحفي على حقّه في السؤال، والضيف على واجبه في الإجابة، دون أن تتحول القاعة إلى حلبة مصارعة كلامية.


من هنا نرى دور القصر الجمهوري نفسه؛ أي قصر رئاسي في العالم يحافظ على هيبته عبر تنظيم الإعلاميين بدقّة من خلال اعتماد لوائح واضحة، تحديد أصول طرح الأسئلة، منع التزاحم والضوضاء، وإعطاء كل صحفي حقه بالتساوي. الفوضى التي شهدناها ليست "مرجلة" ولا "سبقًا صحافيًا"، بل نقيضًا للهيبة. فالصحفي الذي يقاطع زميله أو يصرخ ليأخذ الكلمة لا يُظهر قوة، بل يكرّس صورة العجز والفوضى.



محاولة براك التوضيح… والديمقراطية التي لا حدود لها

لاحقًا، حاول براك تبرير تصريحاته وتوضيحها. أراد القول إنه لم يقصد إهانة الصحافة اللبنانية بل وصف المشهد كما رآه. لكن مهما كانت تبريراته، يبقى المبدأ الأساسي واضحًا: الديمقراطية لا حدود لها إلا عند احترام الآخر.


حرية الصحافة قيمة مطلقة، لكنّها لا تعني أن نخلط بين الحرية والفوضى. كما أنّها لا تعطي لأي دبلوماسي أجنبي الحق في الاستهزاء بكرامة الصحفيين. وقد قال تشرشل ساخرًا: "الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم… باستثناء كل الأشكال الأخرى".


قد تكون الصحافة اللبنانية فوضوية أحيانًا، لكنها أفضل بما لا يُقاس من صحافة مقيّدة أو صامتة.



الصحفي المناسب في المكان المناسب

من أبسط قواعد العمل الإعلامي أن يُرسَل الصحفي المناسب إلى المكان المناسب. وهنا تبرز مشكلة أخرى صادفناها في عدّة مؤتمرات دوليّة. الصحافي يجب أن يكون متمرّسًا باللغة الأجنبية، ملمًّا بالبروتوكول، قادرًا على صياغة السؤال بدقة وأن يعرف كيف يوازن بين الحرية والاحترام. وإلا وجدنا أنفسنا أمام مشهد مربك، حيث السؤال يضيع بين مفردات مهزوزة، والضيف الأجنبي يبتسم ابتسامة صفراء أو يردّ باستخفاف، ليخرج الرأي العام الغربي بانطباع أنّ الصحفي اللبناني هاوٍ، وأن صورة إعلامنا مرتبكة.


هنا تكمن خطورة الإهمال: ليس فقط إهانة شخصية للمراسل، بل إساءة لصورة لبنان برمّته.



خاتمة: الكرامة أولًا

حادثة براك ليست مجرّد سقطة دبلوماسية أو لحظة إعلامية مربكة، بل درس لنا كصحفيين لبنانيين. الكرامة الوطنية لا تُصان بالصراخ أو بالسبق الصحفي الفوضوي، بل بالحرية المسؤولة والتنظيم الذكي.


قد يقول البعض إننا نعيش في بلد حيث الفوضى أصبحت نظامًا بحد ذاته. لكن ربما حان الوقت أن نعيد كتابة «حكايتنا اللبنانية» على طريقة لافونتان: لسنا الذئب الذي يتسلّط، ولسنا الحمل الذي يُسحق، نحن الثعلب الذكي الذي يعرف كيف يحافظ على كرامته بأسلوب ساخر، محترف، ومنظّم.


وإذا كانت مقولة لا فونتين تقول أن حجة الأقوى هي دائما الأفضل فنحن نرد عليها بجملة لبنانية بسيطة:

"الكرامة الوطنية هي دائمًا الأقوى… إذا عرفنا كيف نحميها".