في حين يمرّ لبنان بمرحلة يمكن وصفها بالمفترق التاريخيّ، يكثر الحديث في صفوف السّياسيّين حول الوجهة التّي يجب أن يسلكها البلد لتخطّي هذه المرحلة حيث تختلف الآراء بشكل جذريّ ويظهر عدم وجود أيّ نقطة بين الأفرقاء يمكن التّلاقي عليها.
في هذا السياق تحلّ علينا ذكرى إعلان وقيام دولة لبنان الكبير لتذكّرنا بجوهر المشكلة السّياسيّة في لبنان وحجمها الحقيقيّ ألا وهي جمع مكوّنات لم ترد أن تجتمع أصلاً في إطار سياسيّ واحد، والأخطر هو أنّ أحد هذه المكوّنات وبمعظم مذاهبه السّاحقة لا يمكنه قبول فكرة وجود نظام سياسيّ لا ينبثق من دينه.
يثبّت هذا المقال فكرته هذه أدناه بعرض الدّلائل اللاّزمة مستوحيًا من مرحلة إعلان لبنان الكبير حتّى اليوم، مشدّدًا على أنّ مشكلة استقرار لبنان ليست مرتبطة بوجود حزب معيّن أو عدم وجوده وبامتلاك أحزاب معيّنة السّلاح أو عدم امتلاكها، بل بفكرة جمع مكوّنات مختلفة لدرجة أنّها لا تتّفق حتّى على أحقيّة وجود هذا البلد بشكله السّياسيّ الحاليّ رغم وجودها فيه.
تبعًا لذلك، مع قيام لبنان الكبير تمّ ربط جماعات بشريّة ببعضها البعض سياسيًّا إنّما بغير إرادتها حيث تشير الدّلائل التّاريخيّة إلى أنّ المسلمين عارضوا بوضوح فكرة قيام لبنان الكبير وفضّلت الأغلبيّة السّاحقة من نخبهم الانضمام إلى سوريا تحت سلطة الأمير فيصل حينها، وذلك على ما أتى بنتائج لجنة كينغ-كراين عام 1919. أمّا بالنّسبة للأمير فيصل الذّي أيّده المسلمون بأغلبيّتهم السّاحقة فكان رأيه، حسب تصريح له في كانون الثّاني 1920، أنّه "لن يكون لبنان كبيرًا ولا مستقلاًّ. أقصى ما سوف ينعم به هو استقلال ذاتي ضمن سوريا" (الدّراسات الأمنيّة، عدد 81، 2020، ص.81).
على هذا المنوال شاركت فاعليّات ونخب الطّائفة السّنيّة في المؤتمر السّوري عام 1920 وتبنّوا نتائجه لا سيّما وحدة سورية واستبعاد مشروع لبنان الكبير. لكن رغم كلّ هذه الأمور تمّ ضمّ المسلمين إلى لبنان الكبير بقوّة الانتداب، وتعبيرًا عن استيائهم رفضوا، السّنة بالأخص، أن يشاركوا في الاستشارات التّي مهّدت لوضع الدّستور اللّبناني عام 1926 (قراءة في مواقف فاعليّات الطّوائف من دولة لبنان الكبير، ص.17-21).
أمّا وبعد انتهاء الانتداب الفرنسيّ على لبنان، ظنّ البعض أنّ لبنان سيدخل مرحلة ذهبيّة ليتبيّن العكس ويعود عدم الاستقرار عام 1958 من خلال عودة التّصادم بين المسلمين والمسيحيّين حول وجود لبنان ككيان سياسيّ مستقّل. ففي هذه المرحلة وقف أغلبيّة المسلمين مع أفكار العروبة المنافية لفكرة استقلال لبنان النّهائيّ والمطالبة بضمّه إلى دولة عربيّة كبرى بقيادة جمال عبد النّاصر في ذلك الوقت. لفهم هذا الخيار يمكن قراءة كتابات المفكّرين المسلمين-العرب التّي تظهر أنّ العروبة ليست سوى انعكاس لفكرة الأمّة الاسلاميّة التّي لا يمكنها قبول وجود سلطة سياسيّة فيها غير مسلمين يحكمون هؤلاء، وعلى سبيل المثال ما قاله المفكّر شكيب أرسلان أنّ "العروبة وعاء الإسلام، وأنّ الإسلام روح العروبة" (الدّراسات الأمنيّة، مرجع سابق، ص.27).
أمّا وبعد هذه المرحلة تأتي تلك الأكثر ضراوة ألا وهي التّي تسمّى (بشكل غير صحيح لا مكان لشرحه هنا) بالحرب الأهليّة اللّبنانيّة. ففي هذه المرحلة ظهرت النّوايا الحقيقيّة للمكوّنات الموجودة في لبنان وذلك نسبة لخروج الأمور عن السّيطرة التّامة. على هذا الأساس توالت تصاريح مثال تلك التّابعة لمدير عام دار الفتوى حسين القوتلي الذّي اعتبر لبنان بصيغته السيّاسيّة حينها، صناعة مسيحيّة وأجنبيّة "لأنّها أبدلت حكم الإسلام بحكم المسيحيّة المارونيّة" (الدّراسات الأمنيّة، مرجع سابق، ص.34). وفي تصريح آخر في هذه الفترة ورد في صحيفة السّفير، وضّح القوّتلي أنّه لا يمكن للمسلم القبول بحاكم عليه يكون غير مسلم وإذا حدث ذلك فعلى المسلم أن يعمل على إلغائه "باللّين أو بالقوّة، بالعلن أو بالسّر" وأنّ هذا الأمر هو من سنّة الله المنزلة التّي لا يمكن تبديلها (مذكرات الأباتي بولس نعمان، ج1، دار سائر المشرق، ص81). إضافة إلى ذلك أظهرت تلك المرحلة مدى عمق الاختلاف بين المكوّنات الموجودة في لبنان حيث إنّها تخطّت القضايا السّياسيّة لتستعين بكلّ ما يمكنها الحصول عليه في سبيل هزيمة الآخر، وعلى سبيل المثال تصريح مفتي الجمهوريّة حينها الشّيخ حسن خالد الذّي اعتبر الفدائيين الفلسطينيين "جيش الإسلام" (الدّراسات الأمنيّة، مرجع سابق، ص.33) والذّي بطبيعة الحال أتى لنصرة المسلمين في لبنان وانقاذهم من السّلطة اللّبنانيّة الوالية على أمرهم خلافًا للشّرع الاسلاميّ.
اعتقد البعض بعد انتهاء هذه المرحلة السوداء من تاريخ لبنان الكبير أنّ الآتي سيكون أفضل ليأتي "حزب الله" ويخيّب ظنّهم. فبعد انتهاء الحرب الأهليّة برز "حزب الله" على السّاحة اللّبنانيّة بدعم سوريّ-إيرانيّ وأعاد مسألة إمكانيّة وجود لبنان الكبير إلى الواجهة. فـ "حزب الله" يتبنّى أيضًا فكرة أنّ لبنان اختراع امبرياليّ غربيّ خلق لقمع المسلمين ويمكن التّعمق أكثر في ذلك بقراءة كتاب الشّيخ نعيم قاسم حول فكر ورؤية "حزب الله"، كما وبالاطّلاع على تصاريح قيادة "حزب الله" مثال تصريح الأمين العام الرّاحل حسن نصرالله لجريدة السّفير عام 1987 حيث قال أنّ "لبنان وهذه المنطقة هي للإسلام والمسلمين ويجب أن يحكمها الإسلام والمسلمون" (الفدرالية المنفتحة، آفاق مشرقيّة، ص.29).
أمّا اليوم، في حين يعتبر البعض أنّ ما يحدث هو مؤشّر ايجابيّ لمستقبل لبنان فيودّ هذا المقال وضعهم في السّياق التّاريخي الواضح والصّريح والذّي يظهر أنّ لبنان لا يمكنه أن يقوم بجمع الأضداد والمتناقضات وبفرض العيش المشترك على من لا يريده. فمنذ قيام لبنان الكبير تدور جميع مشاكله حول سبب واحد ولكن بأوجه مختلفة تارة تأخذ شكل العروبة وتارة أخرى شكل القضيّة الفلسطينيّة وطورًا شكل حزب الله، أمّا السّبب فواحد "ومن له أذنتان صاغيتان فليسمع".