ايلي الياس

سلاح "حزب الله" ... ورقة تفاوض إيرانية لا ضمانة للبنان

3 دقائق للقراءة

منذ العام 1979، مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بدأ رجال الدين الشيعة في بعلبك يرفعون الدعوات العلنية لإقامة "الجمهورية الإسلامية في لبنان". هذه الدعوات لم تكن شعارات عابرة أو خطابات حماسية محلية، بل كانت جزءًا من مشروع أوسع خطّط له الحرس الثوري الإيراني ونُفّذ على الأرض اللبنانية. ومنذ ذلك الحين، تَكرّس واقع أنّ ما بات يُعرف لاحقًا بـ "حزب اللّه" لم ينشأ كحركة مقاومة وطنية جامعة، بل تأسّس كفرع مباشر لمشروع ولاية الفقيه الإيراني، بحيث يشكّل السلاح جوهر هذا المشروع وأداته الأكثر فعالية للسيطرة والتأثير.


لا يفهم الخطاب المكرّر الصادر عن قيادات "الحزب" حول "رفض تسليم السلاح" إلّا أنه ليس موقفًا سياديًا لبنانيًا كما يُقدَّم للرأي العام، بل هو تغطية سياسية وأيديولوجية لقرار إيراني استراتيجي يعتبر أنّ سلاح "الحزب" هو الورقة التفاوضية الأهمّ في يد طهران، سواء في علاقتها مع الولايات المتحدة أو في صفقاتها الإقليمية والدولية. فالسلاح في هذا السياق لم يكن يومًا وسيلة دفاعية محلية، بل أداة ابتزاز سياسي وعسكري إقليمي.


وقد جاء خطاب نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ علي الخطيب، المحسوب على "الحزب"، ليُعيد تأكيد هذا المنطق. فالخطيب رأى أنّ الضغوط الهادفة إلى نزع السلاح لا تخدم مصلحة لبنان بل فقط مصلحة إسرائيل، وذهب إلى حدّ اعتبار أن تسليم السلاح سيكون بمثابة "تسليم روح لبنان". هذه العبارة وحدها تختصر فلسفة "الحزب": أي أن "روح لبنان" تُختزل في مشروع مسلح ذي مرجعية إيرانية. هذا الخطاب يفضح بوضوح أن السلاح لم يعد شأنًا لبنانيًا داخليًا، بل ورقة نفوذ إيرانية تُغلّف بعباءة المقاومة وتُسوّق للبنانيين باعتبارها قدرهم الحتميّ.


في المقابل، شهد لبنان في آب 2025 خطوة غير مسبوقة، حين أصدر مجلس الوزراء قرارًا تاريخيًا حاسمًا بأن السلاح يجب أن يكون حصرًا بيد الدولة اللبنانية، مع تكليف الجيش بوضع خطة عملية لنزع السلاح غير الشرعي، بما فيه سلاح "حزب اللّه"، على أن يبدأ التنفيذ قبل نهاية العام. هذه الخطوة، وإن كانت متأخرة، إلّا أنها مثّلت أول محاولة جدية من الدولة لاستعادة زمام المبادرة وإنهاء منطق الازدواجية في الأمن والسيادة. غير أنّ ردّ "الحزب" جاء سريعًا وحاسمًا، إذ وصف القرار بـ "الخطيئة الكبرى" وأعلن أنه سيتعامل معه وكأنه غير موجود. وهنا يتكرّس المشهد: دولة تسعى لإرساء قواعد السيادة، في مواجهة "حزب" يعتبر نفسه أكبر من الدولة ويرى أن مرجعيته الحقيقية في طهران لا في بيروت.


إن مراجعة أصول "الحزب" الإيرانية، وخطاب قياداته، ورفضه الصريح قرار مجلس الوزراء، تكشف أن النقاش حول سلاح "حزب اللّه" لا يمكن أن يُختزل في كونه خلافًا داخليًا لبنانيًا أو مسألة دفاعية تتعلّق بمواجهة إسرائيل. بل هو في جوهره جزء من معادلة إقليمية كبرى، يفرضها الحرس الثوري الإيراني، ويُستخدم فيها لبنان كأداة ورسالة تفاوضية، وكأن أرضه وشعبه مجرّد "منصة" في صراع الآخرين.

|

من هنا، فإن الطريق إلى سيادة فعلية للبنان يبدأ أولًا بالاعتراف بهذه الحقيقة المرّة: أنّ ما يسمى "المقاومة" ليس مشروعًا وطنيًا، بل واجهة إيرانية. والمرحلة الثانية تكمن في التمسّك بتنفيذ قرار الدولة بنزع السلاح عبر الجيش، لأنه لا سيادة مع ازدواجية ولا وطن مع ولاء خارجي. إن الخلاص لا يكون بإعادة تدوير خطاب المقاومة، بل بقطع الحلقة التي جعلت من لبنان منذ ما قبل 1979 رهينة في لعبة إقليمية تُدار من خارج حدوده.