مع احتدام التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين على كافة المستويات، تسعى الصين إلى رصّ صفوف حلفائها وتوطيد علاقاتها مع الدول التي تعاني من توترات في علاقتها مع أميركا، بهدف تشكيل حلف مناوئ لمعسكر "العالم الحرّ" من شأنه أن يشكّل لها شبكة أمان في حال قرّرت تخطي أحد الخطوط الحمر الغربية، مثل اجتياح تايوان. في هذا الإطار، استضاف الرئيس الصيني شي جينبينغ قمّة "منظمة شنغهاي للتعاون" في تيانجين في الصين، حيث شارك فيها حوالى 20 زعيم دولة تبنوا "إعلان تيانجين"، مشيرين فيه إلى حدّة المواجهة الجيوسياسية العالمية. وأكدوا رفضهم "التدابير القسرية الأحادية الجانب، بما في ذلك التدابير الاقتصادية التي تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، وغيره من قواعد القانون الدولي ومبادئ وقواعد منظمة التجارة العالمية"، في إشارة واضحة إلى الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على معظم دول العالم.
ودعا قادة دول المنظمة إلى "الالتزام بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وعدم استخدام القوّة، باعتبارهما أساسًا لبناء علاقات دولية مستقرّة وتنمية مستدامة". كما التزموا بخط سياسي "يستبعد نهج التكتلات والمواجهة في معالجة قضايا التنمية الدولية"، مؤكدين عزمهم على "مواصلة النضال المشترك ضدّ الإرهاب والنزعات الانفصالية والتطرّف". وشدّدوا على ضرورة توسيع التبادلات والتعاون مع الأمم المتحدة وهيئاتها، وإطلاق مبادرة لتطوير اتفاقية في شأن تيسير التجارة ضمن "منظمة شنغهاي للتعاون"، وإعداد وتوقيع اتفاقية لإجراءات بناء الثقة في المجال العسكري.
وأكّدت الدول الأعضاء تمسّكها بـ "نظام تجاري متعدّد الأطراف منفتح وشفاف ومنصف وشامل وغير تمييزي يرتكز على المبادئ والقواعد المعترف بها دوليًا، وعلى تعزيز التنمية الاقتصادية في العالم المفتوح، وضمان الوصول العادل إلى الأسواق والمعاملة الخاصة والتفضيلية للبلدان النامية". وقرّرت إنشاء مصرف التنمية لـ "منظمة شنغهاي للتعاون"، وتوسيع نطاق التعاون الشامل والمنفعة المتبادلة في مجال الطاقة، فضلًا عن اعتمادها استراتيجية التنمية حتى عام 2035.
توازيًا، أعرب القادة عن "قلقهم العميق" إزاء التصعيد المستمرّ للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، مستنكرين سقوط العديد من الضحايا المدنيين في قطاع غزة. وأكدوا "ضرورة التوصّل إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار في أقرب وقت ممكن، وضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وتكثيف الجهود لضمان السلام والاستقرار والأمن لسكان المنطقة". كما دانوا الهجمات الأميركية - الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية. وأكدوا التزامهم بالمبادرات الدبلوماسية الرامية إلى حلّ القضايا العالقة بالطرق السلمية، مشيرين إلى أهمية القرار 2231، الذي شدّدوا على أنه قرار مُلزم ويجب تنفيذه بالكامل بما يتوافق مع نصوصه.
وكان الرئيسان الصيني والروسي قد وجّها انتقادات حادّة للغرب خلال افتتاح القمّة. واعتبر شي أن "منظمة شنغهاي" وضعت نموذجًا لنوع جديد من العلاقات الدولية، موضحًا أنه "يتعيّن أن ندعو إلى تعدّدية الأقطاب المتساوية والمنظمة في العالم والعولمة الاقتصادية الشاملة وتعزيز بناء نظام حوكمة عالمي أكثر عدلًا وإنصافًا". ودعا إلى "تعزيز منظور تاريخي للحرب العالمية الثانية ومعارضة عقلية الحرب الباردة ومواجهة الكتل وسياسات الترهيب" التي تنتهجها بعض الدول، في إشارة مبطّنة إلى أميركا. وكشف أن الصين ستقدّم ملياري يوان من المساعدات للدول الأعضاء هذا العام و 10 مليارات يوان أخرى من القروض لـ "كونسورتيوم" بنوك تابع للمنظمة، مؤكدًا أنه "يجب أن نستفيد من السوق الضخمة... لتحسين مستوى تيسير التجارة والاستثمار".
وبعد محادثات أجراها مع شي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش القمّة، رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال القمّة أن الأخيرة أحيت "التعدّدية الحقيقية"، مع تزايد استخدام العملات الوطنية في التسويات المتبادلة، معتبرًا أن ذلك "يرسي الأساس السياسي والاجتماعي والاقتصادي لبناء نظام جديد للاستقرار والأمن في أوراسيا". وأوضح أن "هذا النظام الأمني، على عكس النماذج الأوروبّية المركزية والأوروبّية الأطلسية، سيراعي مصالح مجموعة واسعة من الدول بصدق، وسيكون متوازنًا فعلًا ولن يسمح لدولة واحدة بضمان أمنها على حساب الآخرين". واقترح أن تبيع الدول الأعضاء سندات مشتركة، كما طرح فكرة عمل منظومة مدفوعات مشتركة للتسويات التجارية.
كذلك، دافع بوتين عن الغزو الروسي لأوكرانيا، وحمّل الغرب مسؤولية إشعال فتيل الحرب، مؤكدًا أنه يجب معالجة مسألة توسّع حلف "الناتو" شرقًا لضمان سلام مستدام في أوكرانيا، وشدّد على أنه "يجب أيضًا استعادة توازن عادل في المجال الأمني"، في إشارة إلى سلسلة من المطالب الروسية في شأن "الناتو" والأمن في أوروبا. واعتبر أن التفاهمات التي جرى التوصّل إليها خلال اجتماعه مع ترامب تفتح الطريق لإيجاد حلّ في شأن أوكرانيا، معربًا عن تقديره "الجهود والمقترحات المقدّمة من الصين والهند التي تهدف إلى تسهيل حلّ الأزمة الأوكرانية"، في وقت انتقدت فيه الخارجية الأوكرانية "إعلان تيانجين"، معتبرة أنه "من المدهش أن أعنف حرب في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية لم تُدرج في مثل هذه الوثيقة المهمّة والأساسية". بالتزامن، كشف الاتحاد الأوروبي أن نظام تحديد المواقع العالمي الخاص بطائرة رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين تعرّض للتشويش وهي في طريقها إلى بلغاريا الأحد، في ما يُشتبه بأنه "تدخل روسي سافر".
وبينما تشهد العلاقات الأميركية - الهندية توترات بسبب العلاقات التجارية بين نيودلهي وموسكو والرسوم الأميركية المستجدّة على البضائع الهندية، وصف بوتين مودي بأنه "صديقه العزيز"، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين تتطوّر بشكل ديناميكي. من جهته، عبّر مودي عن أمله في أن تتوصّل روسيا وأوكرانيا إلى اتفاق لإنهاء الحرب بينهما قريبًا، في وقت اعتبر فيه ترامب أن "الهند تشتري معظم نفطها ومنتجاتها العسكرية من روسيا، والقليل جدًا من الولايات المتحدة"، كاشفًا أن نيودلهي عرضت "خفض رسومها الجمركية إلى الصفر، لكن الوقت تأخّر، كان يجب أن يفعلوا ذلك منذ سنوات".
أمّا بالنسبة إلى إيران، فحسم بوتين أن بلاده على تواصل دائم مع طهران في شأن قضايا دولية مختلفة، منها تلك المتعلّقة بالبرنامج النووي الإيراني، فيما التقى على هامش القمّة مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الذي رأى أنه "يُمكن للاتفاقية الاستراتيجية الشاملة (بين موسكو وطهران) أن تزيد التفاعلات بيننا وتوسّعها". وأيّدت الصين وروسيا، إيران، في رفضها تحرّك "الترويكا الأوروبّية" لإعادة فرض العقوبات الأممية على طهران عبر تفعيلها "آلية الزناد". ونصّت رسالة وقّع عليها وزراء خارجية الصين وروسيا وإيران على أن خطوة الثلاثي الأوروبي "معيبة" من الناحيتين القانونية والإجرائية وتمثل "إساءة استخدام لسلطة مجلس الأمن الدولي ومهامه".
إلى ذلك، من المقرّر أن يبقى بوتين وبزشكيان في الصين بعد "قمّة شنغهاي" للمشاركة في فعاليات إحياء الذكرى الـ 80 لانتهاء الحرب العالمية الثانية في بكين الأربعاء، حيث سيتصدّر بوتين الضيوف في العرض العسكري المنظم في هذه المناسبة، التي سيحضرها أيضًا الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون.