حين يُذكر اسم بيو شيحان قد تقفز إلى الذّاكرة صورة الابن "المهضوم" في مسلسل "عيلة ع فرد ميلة"، أو من خلال بصمات تركها على خشبة المسرح. لكن خلف أدواره التمثيليّة، يختبئ فنّان شغوف بالفنّ يتنقّل بين التّمثيل والإخراج بخطواتٍ واثقة، بحثًا عن التحدّي والإبداع. دعونا نكتشف في هذا اللقاء مع بيو شيحان ملامح رحلته الفنيّة في مجالَي التّمثيل والإخراج.
خاض المخرج والممثّل بيو شيحان أخيرًا، مغامرة فنّية استثنائيّة وفريدة من نوعها بإخراج فيلمه "Bow"، الذي يأخذ المشاهدين في رحلةٍ سينمائيّة ممتعة ومشوّقة إلى قريةٍ صغيرة يلفّها الغموض، حيث تختفي كلّ شخصيّة تعمل في ملحمةٍ غامضة تديرها فتاة مثيرة للتّساؤلات والجدل.
في هذا العمل الذي شارك فيه كلّ من منال عيسى، جو رميا، وجوزيف عقيقي، وجد شيحان نافذةً للتّعبير عن شغفه العميق بالإخراج، وفضاءً يتيح له نسج حوارٍ خلاّق مع فريقه، بحسب ما قال لـ "نداء الوطن"، واختبار لحظة تماهٍ بين الرّؤية الفنّية والتّجربة الإنسانيّة.
تحدٍ في 48 ساعة
هذا الفيلم جاء في إطار مشاركة شيحان بمسابقة "Beirut 48 Hour Film Project"، وهي تحدّ سينمائيّ عالمي يفرض على المشاركين إنجاز فيلم قصير متكامل خلال 48 ساعة فقط. أمّا أصعب ما واجهه شيحان في هذه التجربة فهو إيجاد الفكرة في وقتٍ ضيّق؛ "لكن مع بزوغ ملامح الصّباح الباكر، وجدنا قصّتنا، وأمسكنا الكاميرا للتّصوير بلا تردّد". ورغم ضغط المراحل المتسارعة، ظلّت التّجربة بالنّسبة إليه ممتعة، مفعمة بالحماسة، وتنبض بارتباك اللّحظات الأخيرة ومتعة الإنجاز في وقتٍ محدود ودقيق. فيلم "Bow" عُرض في 8 آب الماضي، وكان شيحان وفريقه بدآ العمل عليه في أول آب وانتهيا من تصويره في 3 منه.
من "ليلى من عمر" إلى "Arms and the Man"
على صعيدٍ آخر، أثبت بيو شيحان حضوره المسرحيّ المميّز من خلال مشاركته أخيرًا في مسرحيّة "ليلى من عمر" للمخرج غبريال يمّين، على "مسرح مونو"، حيث لعب دور شخصيّة نرجسيّة مزعجة، لا تعرف للحبّ طريقًا.
تجربة المسرح بالنّسبة إليه لم تكن عابرة، بل محطّة أساسيّة عزّزت ثقته بنفسه كممثّل، نظرًا لما يحمله المسرح من رهبةٍ خاصّة، وقواعد صارمة، وتفاعل مباشر مع الجمهور، ما يضع الممثّل في مواجهة حقيقيّة مع ذاته ومع الآخر في آن.
وفي تجربة أخرى على "مسرح الإليزيه" قبل أسابيع، أدّى شيحان بطولة "Arms and the Man"، من إخراج هادي عبد العال. وهي مسرحيّة للكاتب الإيرلندي الشّهير جورج برنارد شو، أحد أبرز أعمدة المسرح الفكريّ في القرن العشرين. تدور أحداثها في أواخر القرن التّاسع عشر إبّان الحرب البلغاريّة – الصّربيّة، حيث يكسر كاتبها الصّورة النّمطيّة الرّومانسية عن الحرب والجنود. فبدلًا من تصوير الجندي كبطل أسطوري لا يُقهر، يقدّمه إنسانًا هشًّا يخاف الموت كأيّ فردٍ عادي.
وعن تفاصيل دور شيحان في هذا العمل، جسّد الأخير شخصيّة جنديّ صربيّ يفرّ من ساحة القتال ويجد نفسه مختبئًا في منزل فتاة بلغاريّة، والدها وخطيبها ضابطان كبيران في الجيش البلغاري. المفارقات الدراميّة تنشأ من هذا التّناقض بين صورة البطولة الزّائفة التي يروّجها المجتمع عن الجنود، وبين صورة الإنسان الحقيقيّة المجبولة بالخوف من الحرب والموت والرّغبة في النّجاة.
يرى شيحان أنّ النّصوص الكلاسيكية، كما في مسرحيّته الأخيرة التي مرّ أكثر من قرن على كتابتها، ما زالت قادرة على لمس الإنسان المعاصر لأنّها تطرح قضايا إنسانيّة خالدة. ويعلّق قائلًا: "التّاريخ يعيد نفسه، وما يسرده برنارد شو في هذه المسرحيّة ما زال يُعاش حتّى اليوم. ما كتبه ليس مجرّد نقد للحرب، بل مرآة ساخرة تكشف تناقضات الإنسان في مواجهة ذاته ومجتمعه".
خطوة مستقبليّة نحو العالميّة
رغم حبّه العميق للتّمثيل، يكشف بيو شيحان أنّ مشروعه المقبل سيكون على كرسي الإخراج، من خلال مشاركته في تحدّي "Yes We Cannes"، خلال شهر تشرين الثاني المقبل. هذه المشاركة تعني أنّ فيلمه "Bow" تبوّأ مركزًا بين الأفضل محليًّا، لتُمنح له فرصة التّألق على منصّة دوليّة. وهو بذلك يواصل تحقيق شغفه الفني، من خلال التّحدي والتّحليق نحو آفاق أوسع، بدل الاكتفاء بها محليًا، ساعيًا لتثبيت حضوره على خريطة الإخراج الدوليّة.
الجدير بالذّكر أنّّ مسابقة "Yes We Cannes" هي محطة عالميّة ضمن سلسلة مسابقات "48Hour Film Project" حيث تُمنح الفرق الفائزة بالمراكز الثّلاثة الأولى في المسابقات المحليّة، فرصة جديدة لإنتاج فيلم قصير خلال 48 ساعة، والمنافسة على حضور دوليّ أوسع.
أدوار مركّبة وظلم فنّي
بالعودة إلى خياراته التّمثيلية، يوضح بيو شيحان أنّه يفضّل الأدوار الّتي تمثّل تحدّيًا له، بالإضافة إلى الشّخصيات الغامضة والمركّبة والعميقة.
نسأله أخيرًا إن كان مظلومًا فنيًّا، ينفي شيحان الأمر مؤكّدًا أنّ قلّة مشاركته في المسلسلات والأفلام لا تعني ذلك، قائلًا: "لكلّ شخص نصيبه، وهناك ممثلون بارعون ينجحون في أعمال عديدة. أما أنا، فأختار ما يتناسب وقناعاتي الفنّية".
Beirut 48 hour film project هي مسابقة انطلقت للمرّة الأولى عام 2001، في واشنطن دي سي، لتكبر ككرة ثلجٍ وتتحوّل إلى ظاهرة سينمائيّة تجوب أكثر من 200 مدينة حول العالم، يتحدّى فيها صُنّاع الأفلام الزّمن ويواجهون الوقت. إذ يُطلب من كلّ فريق كتابة وتصوير ومونتاج فيلم قصير لا تتجاوز مدّته السّبع دقائق، خلال يومَين فقط. ولتحفيز روح الابتكار، يُفرض على المشاركين الاعتماد على عناصر مفاجئة، مثل نوع الفيلم، الشخصيّات، الأدوات، وجملة حوار إلزامية تُزرع في النّص، وكأنّها بصمة لا مفرّ منها. |



