رفيق خوري

نهاية الرخاوة: الأمر للبنان

4 دقائق للقراءة

قرار حصرية السلاح بيد الدولة يؤكّد خروج لبنان من خانة ما يسمّيه كارل ميردال "الدولة الرخوة" العاجزة عن فرض سلطتها. ولا طرف في الداخل بات يستطيع منع الدولة من تسجيل النهاية الفعلية لاتفاق القاهرة وحرب لبنان بعد عقود من الإلغاء الرسمي الشكلي للاتفاق والتوقف الرسمي للحرب منذ اتفاق الطائف. وبقي على لبنان الخروج من دور "الدولة الوكيل" على حدّ التعبير الذي استخدمه العالم السياسي الفرنسي سرتران بادي، أي الدولة الأداة لإدارة مصالح القوى المهيمنة وشبكات النفوذ. وأكثر من طرف في الداخل يستطيع منع البلد من القيام بأية خطوة مهمة للانتقال من "الدولة الوكيل" إلى بناء الدولة الوطنية القوية على مصالح القوى المهيمنة والمحاصصة والفساد والسطو على المال العام والخاص. وليس أهم من نهاية "الدولة الرخوة" سوى نهاية "الدولة الوكيل". فالسلاح أداة أساسية في الهيمنة. وسياسة العصبيات الطائفية والمذهبية تضعف السلطة وتعرقل التوجّه نحو بناء دولة قوية عادلة أرقى من الطوائف.


أيام ضعف الدولة خلال الحرب، كان الرئيس سليم الحص يرى قوة في استعمال "سلاح الموقف" الشرعي في مواجهة الميليشيات والقوى الخارجية الداعمة لها. اليوم، صار بإمكان الدولة أن تنطلق من موقف القوة في سحب السلاح من "حزب اللّه" والمخيّمات الفلسطينية. فالورشة الكبيرة بدأت. والتوقف فيها أخطر على البلد من عدم البدء بها. وقمّة الخداع هي "تجميل" التردّد الذي لا مجال له بعد قرار مجلس الوزراء بحجّة السعي لمنع حرب أهلية لا أحد يجرؤ على الاندفاع فيها. و "رأس الحكمة مخافة اللّه" لا مخافة "حزب اللّه" ولا معنى للحديث عن "خطوة إلى الوراء من أجل قفزة أفضل" كما يقول الفرنسيون في الرياضة.


ذلك أن سحب السلاح من "حزب اللّه" ليس نزع قوة من لبنان كما يقال بل استعادة قوة لبنانية كانت في الأسر. وسحب السلاح من المخيّمات الفلسطينية بالتفاهم مع الرئيس محمود عباس ليس إضعافًا لقضية فلسطين ودور الشتات. فلا سلاح "الحزب" الذي قادته غلطة استراتيجية في "حرب الإسناد" لغزة، حمى حتى نفسه وقادته قبل لبنان وما يسمّى البيئة الحاضنة، أو بقي له دور في اللعبة الكبيرة التي تدور على أوسع تغيير جيوسياسي واستراتيجي في المنطقة منذ عقود. ولا سلاح الفصائل الفلسطينية في المخيّمات له دور، لا في معركة التحرير، ولا في التفاوض على تسوية، ولا في حماية المخيّمات من أيّ اعتداء إسرائيلي، ولا بالطبع في ضمان حق العودة. إذ بعضه للتقاتل بين الفصائل، وبعضه الآخر لحماية المخدّرات.


مفهوم أن سحب السلاح بالاتفاق بين بيروت ورام اللّه يتطلّب التنسيق مع الفصائل المنضوية ضمن منظمة التحرير والتي بدأت تسليم الأسلحة، وبالتالي، فإنّ التنسيق ضروري مع "حماس والجهاد الإسلامي" وبقية المنظمات الإسلامية التي هي خارج منظمة التحرير. لكن ما يجب أن يكون مفهومًا هو أن القرار للبنان، لا لهذه الفصائل في سحب السلاح. فلا اعتراف إلّا بالسلطة ومنظمة التحرير. وبيروت ليست مضطرّة للاستمرار في معالجة الرفض الواضح لهذه الفصائل بتجنب الفرض بالقوّة إذا استمرّ الرفض. ولا هي بعد اليوم تسلّم بتسلّح "حماس والجهاد الإسلامي" وفصائل أخرى تلعب بها قوى خارجية وتمارس الإرهاب.


والسؤال هو: علامَ تراهن "حماس والجهاد" في لبنان بعد حرب الإبادة في غزة؟ وعلامَ يراهن "حزب اللّه" في رفضه تسليم السلاح؟ إذا كان الرهان على "الدولة الرخوة" فإنها انتهت. وإذا كان على موجة تقلب التحوّلات الحاصلة وتحدث تغييرات في فلسطين وسوريا ولبنان لمصلحة إيران وأذرعها، فإنه رهان على ما ليس في اليد ولا في الأفق.


و "التخلي عن فكرة هو أيضًا قيادة" كما قال مانديللا.