مارتن عيد

الزواج بين الماضي والمستقبل

7 دقائق للقراءة

منذ أن وُجد الإنسان على الأرض، ظلّ يبحث عن معنى للعلاقة التي تجمعه بالآخر، علاقة ليست مجرّد غريزة أو اتفاق عابر، بل إطار يحفظ النسل، ينظّم الميراث، ويؤمّن استقرار المجتمع. هكذا وُلد مفهوم الزواج، لكنه لم يكن يومًا واحدًا أو ثابتًا عبر التاريخ، بل تبدّل بتبدّل الثقافات والدول والديانات. وبينما يراه البعض عقدًا مقدّسًا، يراه آخرون مؤسسة اجتماعية - سياسية. وبين هذين البعدين، تطرح البشرية اليوم سؤالًا جديدًا: كيف سيكون شكل الزواج في المستقبل؟



الزواج في الماضي: من التحالفات إلى القوانين

في المجتمعات القبلية الأولى، لم يكن هناك مفهوم "زواج" بالمعنى الذي نعرفه اليوم. كان الارتباط أشبه بصفقة أو تحالف بين عشيرتين، يهدف إلى بناء شبكة أوسع من العلاقات والحماية. كان يُنظر إلى الزواج كوسيلة لتعزيز النفوذ وتبادل الموارد، أكثر مما هو علاقة عاطفية أو شخصية.



ومع تطور الزراعة واستقرار الناس على الأرض، اكتسب الزواج بُعدًا اقتصاديًا. ظهر المهر، وصار انتقال المرأة إلى بيت زوجها يعني انتقال موارد وقوة عمل. الأطفال الذين يولدون من هذه العلاقة صاروا يُعتبرون "رأسمالًا" إضافيًا للعائلة. في هذه المرحلة، بدأت المجتمعات تُدرك أهمية توثيق العلاقة وتنظيمها. وهكذا جاءت الشرائع القديمة مثل شريعة حمورابي في بابل (القرن 18 ق.م.)، التي وضعت قوانين واضحة للزواج والطلاق والإرث، وأكدت دور الدولة في تنظيم هذه العلاقة.



حتى الأديان القديمة حملت هذا البعد. ففي النصوص اليهودية مثلاً، نجد إقرارًا بوجود تعدد الزوجات، مع تنظيم آثاره. يقول سفر التثنية: "إذا كان لرجل امرأتان إحداهما محبوبة والأخرى مكروهة فولدت له بنين..." (تثنية 21:15–17). النص لا يلغي التعدد، بل يعترف بواقعه وينظّم مسألة الميراث، بما يضمن العدل بين الأبناء.



البوليغامي والمونوغامي: نظامان متوازيان

عبر التاريخ، وخصوصًا في المجتمعات الزراعية والقبلية، كان التعدد "البوليغامي" شائعًا. تشير الأبحاث الأنثروبولوجية إلى أنّ ما يقارب 80 % من المجتمعات القديمة عرفت شكلاً من أشكال التعدد. وكان ذلك منطقيًا في بيئة ترى في كثرة الأولاد قوة عمل وحماية.



في الإسلام، جاء النص القرآني ليُقنّن هذه الظاهرة ويضع لها حدًا واضحًا: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" (النساء 4:3). بهذا المعنى، لم يُلغِ الإسلام التعدد، لكنه لم يجعله قاعدة مطلقة. وضع له شرطًا أساسيًا هو العدل، ثم أضاف تحذيرًا آخر: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" (النساء 4:129). وكأن النص يفتح الباب للتعدد نظريًا، لكنه يوجّه عمليًا نحو الاكتفاء بواحدة إن لم يتحقق العدل.



في المقابل، برزت حضارات اعتمدت المونوغامي أو أحادية الزواج أساسًا، مثل اليونان وروما. في القانون الروماني، لم يكن مسموحًا للرجل أن يتزوج أكثر من امرأة في الوقت نفسه. لكن، في الممارسة، كانت العلاقات خارج الزواج أمراً طبيعيًّا، سواء مع "العبيد" أو البغايا أو حتى الغلمان. فالزواج عندهم كان بالدرجة الأولى مؤسسة للنسل الشرعي والإرث، أما المتعة فمكانها خارج الزواج.



ومع المسيحية، تغيّرت الصورة جذريًا. استعاد المسيح في إنجيل متى نصّ سفر التكوين: "يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدًا واحدًا" (متى 19:5). من هنا وُلدت فكرة الزواج كـ"سرّ مقدس" يبارك بحضور المسيح تماماً مثل عرس قانا، لا كعقد اجتماعي فحسب. صار الزواج رمزًا لوحدة المسيح والكنيسة، وصارت أحادية الزواج قاعدة أخلاقية وروحية لا مجرد خيار اجتماعي.



الحياة الجنسية عند الرومان كانت تُمارس وفق مبدأ الهيمنة والسيطرة. الرجل الحرّ كان يستطيع أن يمارس الجنس مع من يشاء: جارية، "عبد"، غلام، دون أن يُعتبر ذلك عيبًا. الشرط الوحيد هو أن يحافظ على دوره "كفاعل"، لأن المفعول به كان يُعتبر ضعيفًا. أما الزواج الشرعي فكان لأجل إنجاب الورثة وضمان استمرار العائلة.



لكن المسيحية قلبت هذا المفهوم رأسًا على عقب. لم تعد المتعة الجنسية هدفًا بذاتها، بل صارت محصورة داخل الزواج. المساواة الأخلاقية بين الرجل والمرأة صارت قاعدة: الخيانة خطيئة من الطرفين، وليست فقط من المرأة. وهكذا ارتبط الجنس بالقداسة، وصار الزواج المجال الوحيد المشروع له.



الدولة الحديثة: من الكنيسة إلى السجل المدني

مع صعود الدولة الحديثة، لم يعد الزواج شأنًا كنسيًا أو قبليًا. تحوّل إلى علاقة تُسجّل في دوائر النفوس والسجلات المدنية. الهدف كان واضحًا: الإحصاء، الضرائب، ضبط المواليد الشرعيين. صار للزواج بعد إداري، يُدار عبر قوانين الدولة، لا فقط عبر تعاليم الدين.

في القرن العشرين، دخلت الحركات النسوية على الخط، وبدأت تطالب بتغيير القوانين: منع الزواج المبكر، تحديد شروط التعدد أو منعه، حماية حقوق المرأة، وصولًا إلى الاعتراف بالزواج المدني حتى لغير المتدينين. وفي دول مثل كندا وأوروبا الغربية، صار هناك اعتراف بالزواج المثلي، ما فتح الباب واسعًا أمام أسئلة جديدة حول معنى الزواج وحدوده.



العلم والميول: الطبيعة ليست واحدة

من منظور علمي، لا يمكن القول إن الإنسان مخلوق "أحادي بالفطرة" أو "متعدد بالفطرة". الدراسات الحديثة تؤكد أن الميول الجنسية وأنماط العلاقات هي نتيجة تفاعل معقد بين الجينات والبيئة والثقافة. الدراسات أظهرت أن السلوك الجنسي لا تحدده جينات منفردة، بل مجموعة عوامل متشابكة.

بكلام آخر، الزواج بأشكاله المختلفة ليس قدرًا طبيعيًا وحيدًا، بل انعكاس لثقافة المجتمع وظروفه. ولهذا نرى عبر التاريخ تنوّعًا كبيرًا: من التعدد عند العرب القدماء، إلى الأحادية عند الرومان والمسيحيين، إلى الشراكات المدنية في عصرنا.



يقف الزواج اليوم على عتبة مرحلة جديدة مليئة بالتحديات. فالتكنولوجيا غيّرت الكثير من معالم حياتنا، ومعها بدأت تتغير نظرتنا للعلاقات الإنسانية. العلاقات الافتراضية التي ينشئها الناس عبر الإنترنت، وظهور العوالم الرقمية والذكاء الاصطناعي، يفتحان الباب أمام تساؤلات لم يعرفها الماضي: هل يمكن لإنسان أن يرتبط بكيان افتراضي؟ وهل يصبح الزواج علاقة رقمية لا تحتاج إلى حضور جسدي؟ هذه الأسئلة التي تبدو خيالية اليوم قد تصبح واقعًا في المستقبل.



في الوقت نفسه، تتقدم الحركات الحقوقية بخطوات سريعة لتعيد تعريف الزواج. هناك من يطالب بالاعتراف بالزواج المثلي في كل مكان، وهناك من يدعو إلى الاعتراف بعلاقات غير أحادية قائمة على الرضا المتبادل. وبينما تتيح العولمة انتقال الأفراد بين مجتمعات مختلفة، يزداد الاحتكاك بين تصورات متباينة للزواج: في أوروبا وأميركا يُعتبر الزواج المدني أمرًا بديهيًا، بينما في مجتمعات أخرى يُنظر إليه كتهديد للنظام الديني أو الاجتماعي.

هذه التغييرات تكشف أن الزواج لم يعد مؤسسة جامدة، بل بات ساحة لإعادة التعريف الدائمة، يعكس قلق الإنسان بين رغبته في الحرية الفردية وحاجته في الوقت نفسه إلى الاستقرار الجماعي.



الزواج بين الثبات والتحوّل

إذا نظرنا إلى تاريخ الزواج، نكتشف أنه لم يكن يومًا مؤسسة جامدة. كان تحالفًا قبليًا، ثم عقدًا اقتصاديًا، ثم سرًّا مقدسًا، واليوم أصبح موضوعًا للنقاش الحقوقي والفلسفي. التعدد والمونوغامي ليسا سوى وجهين لعملة واحدة: محاولات المجتمع لتنظيم ما هو أعمق من القانون والسياسة، أي حاجة الإنسان إلى الحب والاستقرار والاستمرارية.



لكن المستقبل قد يحمل أشكالًا جديدة من الزواج أو الشراكة: عقود شخصية مصممة بحسب رغبة الأفراد، اعتراف قانوني بالعلاقات غير الأحادية، أو ربما عودة إلى أشكال أكثر تقليدية في بعض الثقافات. ما هو مؤكد أنّ الزواج سيبقى حاضرًا، لأنه يعكس حاجة الإنسان الجوهرية إلى الآخر.



وفيما دول كثيرة تجرأت على تحديث قوانينها لتواكب العصر، كتونس التي ألغت تعدد الزوجات منذ منتصف القرن الماضي رغم تأثرها بالإسلام، أو بلدان أوروبية اعتمدت الزواج المدني وفتحت أبوابه للجميع، يبقى لبنان يعيش تجربته الخاصة، حيث ما زال الزواج مرتبطًا بشكل وثيق بالنظام الطائفي والديني. هنا، النقاش حول الزواج المدني لا يزال معلقًا، كأنه سرّ ثقيل يصعب البوح به. وكأن الزواج، بدل أن يكون قرارًا حرًا بين شخصين، يبقى محاطًا بسلطة لا تسمح له أن يخرج من عباءة الجماعة.

ولعلّ الأفق المفتوح أمام الأجيال المقبلة هو التفكير في الزواج لا كواجب مفروض أو مؤسسة جامدة، بل كمساحة حب وحرية، تعكس حق الإنسان في أن يختار كيف يعيش ومع من يكمل دربه.