جوانا صابر

الوشم صرخة نفسية... حبرٌ يحكي الألم

دقيقتان للقراءة
لغة صامتة على الجلد

في زوايا المدن، وعلى الأرصفة المزدحمة، تمرّ وجوه كثيرة تحمل قصصًا لا نعرفها. بعضها تفضحه العيون، وبعضها الآخر يختبئ في الصمت. لكنّ هناك من اختار أن يكتب حكايته على جسده، بحبر لا يمّحى… "التاتو".


في صالونات صغيرة تتوزّع بين الأحياء الشعبية والمراكز الراقية، يجلس أشخاص من أعمار مختلفة على الكرسي الجلديّ، يمدّون أذرعهم أو أكتافهم، يغمضون أعينهم أحيانًا، وكأنّهم في جلسة اعتراف. ليست المسألة مجرّد رسمة أو نقش تجميلي، بل هي- في كثير من الأحيان- جرح قديم يُعاد ترسيمه على سطح الجلد، كندبة يختار صاحبها ألّا يخفيها.


"أرسم على جسدي كي لا يضيع وجعي"، تقول ليلى، شابة فقدت والدتها في سنّ مبكرة. على معصمها وشم صغير على شكل طائر يطير من قفص. تبتسم وهي تنظر إليه: "هذا أنا… أحاول الطيران مهما كانت القيود".


يرى الأطباء النفسيون في هذه الظاهرة تعبيرًا عن حاجة داخلية للبوح، خصوصًا عند من يجدون صعوبة في الكلام أو طلب المساعدة. الحبر هنا يصبح لغة بديلة، والجسد يتحوّل إلى دفتر مذكرات مفتوح. كلّ خطّ، كل لون، يروي شيئًا عن فقد، عن حبّ انتهى، أو عن بداية جديدة. لكنّ المجتمع لا يقرأ دائمًا هذه العلامات كما يريد أصحابها. ففي بيئات محافظة، قد يُنظر إلى "التاتو" على أنّه خروج عن المألوف أو تمرّد على الأعراف. أما بالنسبة للبعض، فهو وسيلة علاجية موازية، لا تُقاس فعاليتها بالدواء، بل بالراحة التي يشعر بها صاحبها حين يلمس الوشم بأصابعه.


في النهاية، الوشم ليس مجرّد فنّ على الجلد، بل وثيقة شعورية، حبرٌ مُسال من جرح قديم. هو إعلان صامت: "لقد تألّمت… وها أنا أترك أثري".